اربعة أسباب وراء الارتفاع التاريخي لسعر الدولار في مصر

يرتبط صعود الدولار أمام الجنيه بالتطورات في المنطقة بقدر ارتباطه بالأوضاع الاقتصادية المحلية، بحسب عميد كلية التجارة الأسبق بجامعة الإسكندرية، الدكتور سعيد عبد العزيز عثمان، الذي يُرجع في تصريحات خاصة لـ«الغد»، الارتفاع الحالي إلى 4 أسباب رئيسية.

واستبعد عثمان عودة الدولار إلى مستويات 45 أو 50 جنيهًا في المدى القريب، داعيًا الحكومة إلى ضبط تصريحاتها الرسمية والتدخل بوعي في السوق، مفرِّقًا بين «التعويم» غير المستحب و«المرونة» المطلوبة، حفاظًا على استقرار أسعار السلع الأساسية. وكسر الدولار الأميركي، الإثنين 26 أكتوبر الأول، حاجز 56 جنيهًا مصريًّا، مسجلًا أعلى مستوى في تاريخه.

يقول عميد كلية التجارة الأسبق بجامعة الإسكندرية إن التحركات الراهنة في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه لا يمكن فصلها عن التطورات الجيوسياسية والعوامل الاقتصادية المركبة، محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

وفي تصريحات خاصة لموقع «الغد»، أوضح عبد العزيز أن جزءًا رئيسًا من الارتفاع الحالي في سعر الدولار يعود إلى حالة عدم الاستقرار المتصاعدة في المنطقة، لا سيما التوترات الجارية في اليمن ودول الخليج، مشيرًا إلى أن بعض التصريحات المتداولة تسببت في إيجاد حالة من الإزعاج والقلق وعدم اليقين لدى المستثمرين.

وقال إن الضغوط الحالية على العملة نتجت أيضًا عن خروج شريحة من «الأموال الساخنة» من السوق المصرية، قدرت بنحو 1.8 مليار دولار خلال 3 أيام فقط، وهو ما شكَّل ضغطًا إضافيًّا.

وأشار عبد العزيز إلى أن البنك المركزي يتبع سياسة مرونة سعر الصرف ولا يتدخل لمواجهة هذا الارتفاع بشكل مباشر، تاركًا السعر يتحدد وفقًا لعوامل العرض والطلب، مشددًا على أن الجزء الأكبر من هذا الصعود يأتي كانعكاس مباشر لتصاعد التوترات الإقليمية، وتوالى الإشارات والتهديدات الأميركية الشديدة والمتكررة بشن ضربات عسكرية ضد إيران.

ولفت عميد كلية التجارة الأسبق بجامعة الإسكندرية إلى أن الخطر الأكبر يتجسد في حركة «الأموال الساخنة» والقفزات المتتالية في سعر الدولار، لا سيما مع افتراض سعر الصرف عند 75 جنيهًا للدولار في الموازنة العامة، مؤكدًا أن هذا الفارق الشاسع ينذر بحدوث عجز هائل في الموازنة، وهو ما سينعكس مباشرة وبشكل سلبي على سعر الدولار.

وشرح عثمان أبعاد هذه الأزمة الهيكلية، موضحًا أن اتساع رقعة العجز سيجبر الدولة على التوسع في الاقتراض لسد الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، حيث تكشف الأرقام أن الإيرادات أصبحت لا تكفي حتى لسداد أقساط وفوائد الديون المستحقة، والتي باتت تلتهم نحو 140% من إجمالي الإيرادات، مما يعني أن الإيرادات لا تغطي هذه الالتزامات المالية سوى بنسبة ضئيلة، مع وجود عجز صافٍ يصل إلى 40%.

وحذر عبد العزيز من أن نشوء عجز جديد في الموازنة يترتب عليه تلقائيًّا زيادة ثقيلة في الالتزامات المالية للدولة، وهو ما يلقي بتبعاته المباشرة على سعر الدولار، إذ ستشهد فاتورة واردات البترول والمشتقات البترولية ارتفاعًا كبيرًا في قيمتها الإجمالية نتيجة الصعود العالمي لسعر برميل الخام، حتى وإن ظلت الكميات المستوردة ثابتة دون تغيير.

وأشار إلى أن هذا الارتفاع الإجباري في فاتورة الواردات البترولية سيفاقم من عجز الميزان التجاري المصري، مما يولد موجات جديدة من الطلب الضاغط على الدولار، ويدفع بسعره نحو مزيد من الارتفاعات والتصاعد في السوق المحلية.

وفي سياق متصل، حذَّر عميد كلية التجارة الأسبق بجامعة الإسكندرية من أن استمرار الاحتمالات المفتوحة لارتفاع أسعار البترول وتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يجعل سعر الدولار مرشحًا لزيادة أكبر.

ووجه عبد العزيز رسالة مباشرة الحكومة، مناشدًا إياها بضرورة توخي أقصى درجات الحذر والدقة في أي تصريحات رسمية تُطلق، ودراستها بعناية فائقة قبل الإعلان عنها، نظرًا لأن حساسية حركة رؤوس الأموال الساخنة تجعلها تتأثر وتتفاعل فورًا مع هذه الرسائل، وضرب أمثلة بالواقع المعاصر، مشيرًا إلى أن منشورًا واحدًا يكتبه الرئيس الأميركي دونالد ترمب يكفي لقلب أسواق المال العالمية وتعريض البورصات لهزات عنيفة.

وحول التساؤلات المثارة بشأن إمكانية عودة سعر الدولار في المدى القريب إلى مستويات 45 أو 48 أو 50 جنيهًا، حسم عبد العزيز الجانب الاستشرافي بالقول إن هذا السيناريو مستبعد تمامًا في الفترة القريبة، في ظل مؤشرات موضوعية تؤكد أن الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية لا تزال محاطة بالتعقيد وعدم الاستقرار.

وعن الانعكاسات المعيشية الأشد خطورة، نبه عميد كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، في تصريحاته لـ«الغد»، إلى أن موجات ارتفاع الدولار تنعكس تلقائيًّا على أسعار السلع كافة، وفي مقدمتها السلع الغذائية الأساسية، وهو ما يفرض على الحكومة تعاملًا شديد الحذر حيال هذه الظاهرة، وعدم ترك الحبل على الغارب للدولار حتى ينفلت سعره بهذه الصورة.

وفي ختام تصريحاته شدد الدكتور سعيد عبد العزيز على أهمية التدخل الحكومي المنضبط لضبط إيقاع السوق، مفرقًا بين مفهومين رئيسيين بالقول: «التعويم غير مستحب، بينما المرونة مطلوبة.. وهناك فارق جوهري بين التعويم والمرونة، ولا بد من تطبيق الأخيرة بوعي حتى لا تنفلت الأسعار في الأسواق».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *