فدائيو إيران” يشقّون صفوف النظام

تحولت حملة “جانفدا” أو “فدائيو إيران” من مشروع لتعبئة الإيرانيين في مواجهة التهديدات الخارجية إلى مصدر خلاف داخل مؤسسات النظام، بعدما أثار توسعها العسكري مخاوف مسؤولين حكوميين وقيادات في الحرس الثوري من استخدامها لتعزيز نفوذ حسين طائب، الرئيس السابق لاستخبارات الحرس والقائد الحالي لقوات الباسيج، على حساب مراكز القرار الأخرى.

وكشفت معلومات نشرتها وسائل إعلام إيرانية معارضة عن اعتراضات داخل مؤسسات الحكم والأجهزة العسكرية والأمنية على التوسع المتسارع في تشكيلات “فدائيو إيران”، وسط مخاوف من تحولها إلى قوة ضغط مسلحة يستخدمها قائد الباسيج حسين طائب لتعزيز موقعه داخل النظام، وليس مجرد قوة احتياطية لمواجهة التهديدات الخارجية.

ونقل موقع “إيران واير”، عن مسؤول حكومي سابق خدم في الحرس الثوري، ويحتفظ بعلاقات مع قياداته، أن الاعتراضات تشمل مسؤولين في الحكومة، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وقيادات في الحرس نفسه، يعتبرون أن استمرار توسيع الحملة قد يهدد التماسك الداخلي للسلطة.

وتكشف هذه المعطيات عن خلاف يتجاوز الجدل بشأن جدوى تدريب المدنيين على السلاح، ليصل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بالجهة التي ستتحكم بهذه التشكيلات، وما إذا كانت ستخضع للمؤسسات العسكرية القائمة أم ستتحول إلى قاعدة نفوذ مستقلة نسبياً داخل النظام.

برز اسم حسين طائب في قلب هذا الجدل بعد توليه قيادة منظمة الباسيج في آب/ أغسطس الماضي، عقب سنوات أمضاها على رأس جهاز استخبارات الحرس الثوري، قبل إبعاده عن المنصب العام 2022.

ويتمتع طائب بعلاقات وثيقة مع الدوائر الأمنية المحيطة بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وهو ما يمنحه موقعاً حساساً في التوازنات الداخلية، خصوصاً مع تصاعد دور القيادات العسكرية والأمنية في إدارة البلاد خلال الحرب.

وبحسب “إيران واير”، يرى مسؤولون إيرانيون أن طائب يستخدم حملة “جانفدا” لتشكيل مجموعة ضغط تستطيع التأثير في مؤسسات الدولة ومراكز القرار، مستفيداً من الخطاب التعبوي الذي يربط المشاركة فيها بالدفاع عن البلاد والولاء للقيادة.

ونقل الموقع عن مصادر أن طائب أبلغ مشاركين ومسؤولين في الباسيج بأنه يحظى بدعم المرشد لمشروعه، غير أن مسؤولين حكوميين يشككون في صحة هذه الادعاءات، ويتجنبون مواجهته علناً خشية تعميق الانقسامات.

ولا توجد وثائق مستقلة تثبت أن طائب يسعى إلى إنشاء قوة خارجة عن قيادة الحرس، لكن الاعتراضات المنقولة تعكس مخاوف من تركز نفوذ إضافي بيده.

تكمن أهمية المعلومات الجديدة في أن الاعتراضات لا تأتي من المعارضة الإيرانية وحدها، وإنما من داخل المؤسسات التي يفترض أن تكون المستفيد الأول من التعبئة العسكرية.

ووفقاً للتقارير، فإن مسؤولين حكوميين وعسكريين يتعاملون مع توسع الحملة باعتباره أمراً واقعاً، ويتجنبون التصعيد ضدها حفاظاً على وحدة النظام خلال المواجهة العسكرية.

وأضاف أن بعض هؤلاء ينتظرون انتهاء الحرب لإعادة النظر في المشروع، وصولاً إلى تفكيك تشكيلاته، بينما يعمل طائب على تحويله إلى بنية مستمرة تضمن له نفوذاً طويل الأمد.

وتتقاطع هذه الرواية مع تقييم نشره مشروع التهديدات الحرجة ومعهد دراسة الحرب في 28 سبتمبر، أشار إلى أن مخاوف المسؤولين الإيرانيين من تحركات طائب تعكس اضطراباً أوسع في إدارة مراكز النفوذ داخل النظام.

ولفت التقييم إلى أن غياب الدور المباشر والواضح للمرشد في إدارة التنافس بين المؤسسات قد يمنح بعض القيادات الأمنية مساحة أوسع لتعزيز نفوذها.

بدأت حملة “جانفدا” بوصفها مشروعاً لتسجيل المتطوعين وإظهار التأييد الشعبي، قبل أن تتحول تدريجياً إلى برنامج عسكري يتضمن تدريب المدنيين وتنظيمهم في وحدات دفاعية.

وفي 18 سبتمبر، أعلن طائب خلال تجمع في طهران بدء دمج المشاركين في كتائب ووحدات عسكرية، مع إعداد برامج تدريبية برية وجوية وبحرية. وأعلنت وسائل إعلام رسمية مشاركة 313 ألف شخص في التجمع، بينما شكك موقع “فكت نامه” المتخصص في تدقيق المعلومات في مزاعم تسجيل أكثر من 30 مليون إيراني في الحملة.

وفي 23 أيلول/ سبتمبر، افتتح الباسيج مركزاً للتدريب العسكري في ساحة الإمام الحسين بطهران، لتدريب المتطوعين على الرماية واستخدام الأسلحة والمعدات الدفاعية، ضمن خطة لإنشاء 1000 كتيبة. وتكمن حساسية هذه الخطوات في أنها تنقل التعبئة من المستوى الدعائي إلى بناء تشكيلات منظمة، يمكن أن تتحول إلى أداة تأثير داخل التوازنات السياسية والأمنية.

يرى تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية أن “جانفدا” تمثل توسعاً في عسكرة المجتمع، من خلال إدخال المدنيين في شبكات أمنية وعسكرية مرتبطة بالحرس الثوري. ويشير التقرير إلى أن المشروع قد يوفر للنظام احتياطياً بشرياً إضافياً خلال الأزمات والاحتجاجات، لكنه يوسع أيضاً حضور الأجهزة الأمنية في المؤسسات المدنية والأحياء السكنية.

أما مشروع التهديدات الحرجة ومعهد دراسة الحرب، فيربطان توسع التعبئة بمحاولات تعزيز تماسك المؤيدين وإظهار القدرة على حشدهم، في ظل الضغوط الاقتصادية والمخاوف من اضطرابات اجتماعية جديدة. لكن هذه الوظيفة الأمنية لا تلغي احتمال تحول التشكيلات إلى مصدر تنافس بين أجنحة السلطة، خاصة إذا أصبحت شبكات الولاء المرتبطة بقيادات محددة أكثر تأثيراً من التسلسل المؤسسي المعتاد.

يضع الباحث الأمني والإستراتيجي عامر السبايلة هذا التوسع في سياق أوسع يتعلق بمخاوف القيادة الإيرانية من تزامن الضغط الخارجي مع أزمة داخلية. ويقول السبايلة لـ “إرم نيوز” إن توسع “جانفدا” يضع النظام الإيراني أمام معادلة معقدة.

ويشير إلى أن النظام يحتاج إلى حشد مؤيديه وإظهار التماسك في مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية، لكنه يواجه في الوقت نفسه مخاوف من أن يؤدي إنشاء تشكيلات مسلحة واسعة إلى تغيير موازين النفوذ داخل مؤسساته.

ويقول السبايلة إن النظام الإيراني يدرك أن آثار الحرب لا تتوقف بانتهاء الضربات، وإنما تنتقل إلى الاقتصاد والمجتمع، معتبراً أن الخطر بالنسبة للنظام يتمثل في احتمال اجتماع الإنهاك الناتج عن الحرب مع غضب داخلي متراكم.

ويرى أن تعزيز الباسيج وشبكاته المحلية يسمح ببناء منظومة إنذار مبكر داخل المجتمع، تستطيع اكتشاف بؤر الغضب واحتواءها قبل تحول مطالب اقتصادية محدودة إلى حركة سياسية أوسع. ومع توسيع التعبئة الحالية، تصبح هذه الشبكة أكثر قدرة على الجمع بين وظيفة الدفاع الخارجي والسيطرة الأمنية الداخلية.

لكن السبايلة يقرأ من جهة أخرى، هذا التحول، باعتباره امتداداً للتنافس بين المؤسسات الأمنية والسياسية في إيران، فالمشكلة لا تكمن في وجود قوات الباسيج بحد ذاتها، وإنما في توسيع شبكة التعبئة المسلحة تحت قيادة شخصية تتمتع بعلاقات خاصة مع مركز السلطة، بما قد يخل بالتوازنات القائمة بين الأجهزة.

ويوضح أن الحرب تمنح القيادات الأمنية مبررات استثنائية لتوسيع صلاحياتها، بينما تصبح مساءلة هذه الصلاحيات أكثر صعوبة تحت شعار حماية الأمن القومي. وبالتالي فإن استمرار تشكيلات “جانفدا” بعد انتهاء المواجهة العسكرية، فقد تتحول إلى ورقة قوة في التنافس على القرار الأمني والسياسي، خاصة مع احتمال تصاعد الاحتجاجات نتيجة الأزمات الاقتصادية.

وبينما تقدم السلطات الحملة باعتبارها نموذجاً للدفاع الشعبي، تشير المعلومات عن اعتراضات مسؤولين إيرانيين إلى أن الخلاف الحقيقي قد لا يكون حول ضرورة وجود “فدائيي إيران”، وإنما حول من يملك قرار تحريكهم، ولمن ستكون الكلمة الأخيرة إذا تعارضت مصالح مراكز السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *