
تعود محافظة صعدة إلى واجهة المشهد العسكري في اليمن، مع تزايد المؤشرات على حشد جماعة الحوثيين مقاتلين وأسلحة ومعدات في المناطق القريبة من الحدود السعودية، بالتزامن مع عمليات تنفذها القوات الحكومية اليمنية ضد مواقع وتعزيزات للجماعة داخل المحافظة. ويعيد هذا التطور التركيز إلى الجبهات الحدودية التي كانت خلال سنوات الحرب إحدى ساحات المواجهة المباشرة بين الحوثيين والسعودية.
وتكتسب التحركات في صعدة أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي. فمديرية كتاف والبقع تمتد بمحاذاة منطقة نجران وتضم منفذ البقع، بينما يقع محور علب في مديرية باقم على الحدود السعودية، ما يجعل الجبهات الثلاث من أكثر النقاط حساسية في أي تصعيد محتمل. وبحسب مصادر عسكرية ومحلية تحدثت لـ”العربي الجديد”، كثف الحوثيون خلال الأيام الأخيرة نقل المقاتلين والأسلحة والمعدات باتجاه المناطق الحدودية، فيما تقول مصادر في القوات الحكومية إن هذه التحركات تتجاوز تعزيز المواقع الدفاعية إلى الاستعداد لعمل هجومي محتمل.
وفي المقابل، يتهم الحوثيون السعودية بتنفيذ غارات على صعدة، في وقت تقول فيه القوات الحكومية إن عملياتها الجوية والمدفعية تستهدف مواقع الجماعة وتعزيزاتها. وقال مصدر عسكري حكومي إن الحوثيين “يعدّون لمواجهة على الحدود” مع السعودية، مضيفاً أن الجماعة تسعى إلى تحقيق اختراق داخل الأراضي السعودية. ولا يمكن بصورة مستقلة التحقق من هذه التقديرات أو من طبيعة الاستعدادات العسكرية الحوثية على الحدود.
ظهر حضور جبهات صعدة بصورة أوضح في البيانات العسكرية الأخيرة للقوات الحكومية. وقال الناطق باسم القوات المسلحة التابعة للحكومة الشرعية، العقيد ماجد النزيلي، في بيان نشره في 27 سبتمبر، إن القوات نفذت 756 عملية استهداف خلال 72 ساعة، شملت كتاف والبقع ومحور علب، إلى جانب جبهات في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز.
وفي اليوم التالي، تحدث النزيلي عن 356 عملية خلال 24 ساعة، شملت أيضاً الساحل وحرض والطوال في محافظة حجة، وقال إن العمليات استهدفت تعزيزات وقدرات عسكرية للحوثيين، بما في ذلك مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وآليات.
وكان مصدر عسكري في القوات الحكومية بالمناطق الحدودية قد قال إن التصعيد الأخير شمل صعدة، وإن العمليات فيها كانت في بدايتها أقل كثافة من جبهات أخرى، قبل أن يزداد حضور المحافظة في البيانات العسكرية. ووفق المصدر، نفذت القوات الجوية اليمنية غارات متفرقة على تعزيزات وأهداف للحوثيين، بالتوازي مع استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة والراجمات.
ويعطي استهداف التعزيزات والمخازن والآليات في صعدة أهمية إضافية للتحركات الحالية، إذ تقع المحافظة في قلب شبكة الإمداد الحوثية باتجاه الجبهات الشمالية، كما تمثل نقطة رئيسية في حركة المقاتلين والسلاح نحو المناطق الحدودية.
بالتوازي مع التطورات الميدانية، تصاعدت لهجة الخطاب الحوثي تجاه السعودية. وفي مقدمة لنشرة قناة “المسيرة” في 27 سبتمبر، تحدثت القناة عن الانتقال من “ضبط النفس إلى الردع بالهجوم”، وتوعدت بإدخال الرياض في “حالة حرب شعواء”، مع الإشارة إلى خيارات قالت إنها كانت مستبعدة وأصبحت ممكنة.
ويأتي هذا الخطاب في سياق تصعيد بدأه الحوثيون منذ الجولة الأخيرة من المواجهة، إذ ربطت الجماعة تحركاتها العسكرية بما تصفه بـ”الحصار السعودي”، قبل أن تتكرر اتهاماتها للرياض بشن غارات على محافظات يمنية واستهداف مدنيين.
وتحتل صعدة موقعاً مركزياً في هذا الخطاب. فقد نشرت قناة “المسيرة” خلال الشهر الأخير عشرات الأخبار العاجلة المتعلقة بالمحافظة، تضمنت تقارير عن غارات وإصابات بين المدنيين، فيما أعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع في 28 سبتمبر عن 38 غارة وضربة صاروخية على صعدة وتعز وحجة، قبل أن يتحدث في اليوم التالي عن 35 غارة أخرى طاولت صعدة ومحافظات يمنية عدة.
لكن الرواية الحوثية بشأن الجهة المنفذة للضربات محل خلاف. ففي حين تنسب الجماعة العمليات إلى السعودية، تقول القوات الحكومية إن جزءاً كبيراً من العمليات المعلنة نُفذ من جانبها. كما يقول مصدر عسكري في المناطق الحدودية إن الحوثيين يخلطون بين عمليات القوات الحكومية وقصف مدفعي سعودي مرتبط، بحسب روايته، بملاحقة عمليات تهريب عبر الحدود.
