
تعمل تركيا على زيادة نفوذها وقوّتها في أمريكا اللاتينية، التي تشهد منافسة متصاعدة، عبر شبكة واسعة من الاتفاقيّات العسكريّة ومشاريع الطاقة والتجارة الحرّة، تمتد من الأرجنتين إلى تشيلي، ومن السلفادور إلى البرازيل.
شهدت أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة تراجُعاً في قوّة الأحزاب اليساريّة والديمقراطيّة، مقابل صعود حكومات ذات توجُّهات أمنيّة وقوميّة وسلطويّة. وتُعد هذه الحكومات، التي تتبنّى مواقف متشدّدة تجاه المهاجرين وتنتقد المؤسّسات الديمقراطية، جزءاً من موجة سياسيّة تُعرف باسم “موجة اليمين المتطرّف”. وفي ظل هذا التحوّل، وسّعت تركيا علاقاتها العسكريّة والتجاريّة والسياسيّة في المنطقة، خاصّةً عبر قطّاع الصناعات الدفاعيّة.
وحتى نهاية القرن العشرين، كانت الشركات التركيّة شبه غائبة عن أسواق أمريكا اللاتينية. لكن وفق تقرير نشره معهد العلاقات الدولية في الجامعة الوطنية بمدينة “لا بلاتا” الأرجنتينية عام 2023، باتت أكثر من 20 شركة تركيّة تعمل حاليّاً في المنطقة، خصوصاً في مجال السيارات والتعدين والنقل ومجالات أخرى.
وفي إطار “خطة عمل أمريكا اللاتينية لعام 2006″، افتتحت حكومة حزب العدالة والتنمية سفارات في نحو 20 دولة، ورفعت حجم التبادل التجاري إلى 15 مليون دولار، وفي العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، اتّجهت نحو المجالات العسكريّة والتكنولوجيّا المتطوّرة.
وتقوم السياسة التركية تجاه أمريكا اللاتينية على عدّة محاور، من بينها الحصول على عوائد أكبر من مشاريع البناء والطاقة والتعدين، ودعم توسع شركات الصناعات الدفاعيّة مثل بايكار وآسلسان (ASELSAN) وأوتوكار.
كما يمثل التعاون مع دول أمريكا اللاتينية، الغنيّة بالنّفط الخامّ والغاز الطبيعي والليثيوم والنّحاس والفضّة والذّهب، وسيلة بالنسبة لتركيا لتنويع علاقاتها وتقليل اعتمادها على الغرب والولايات المتّحدة.
الأرجنتين
منذ عام 2023، تشهد الأرجنتين حكماً بقيادة الرئيس خافيير ميلي ذو التوجُّه الليبرالي اليميني. وخلال عهده، ومع تبنّي سياسات مناهضة للهجرة وسعيه إلى تعزيز الشّراكات خارج الإطار الغربي، شهدت العلاقات مع تركيا تطوّراً ملحوظاً. وفي عام 2021، وقعت صناعة الطيران والفضاء التركيّة اتفاقية مع شركة إينفاب الأرجنتينيّة لتنفيذ مشروع القمر الصناعي الجغرافي الثابت (GSATCOM) ليكون مثالاً على التعاون التقني بين البلدين.
كما تشهد العلاقات الاقتصادية تطوّراً مستمرّاً، حيث تشكّل اتفاقيّة حماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، السارية منذ عام 1992، أساساً مهمّاً للعلاقات الثنائية، وكانت شركة “كوردسا (Kordsa )” التابعة لمجموعة “سابانجي (Sabanci)” قد أنشأت مركز إنتاج في بوينس آيرس نهاية تسعينيّات القرن الماضي.
وبحسب التقديرات، تجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين 800 مليون دولار عام 2024. وتصدّر تركيا منتجات في قطاعات السيارات والصناعة والآلات والمنسوجات والإسمنت، بينما تستورد من الأرجنتين فول الصويا والذرة والبذور.
البرازيل
تم توقيع اتفاقيّة تعاون في مجال الصناعات الدفاعيّة بين تركيا والبرازيل عام 2022، قبل أن تمرّ عبر مجلس الشيوخ البرازيلي في أيلول 2025. وفي إطار الاتفاقيّة، تقدّم شركة “أوتوكار (Otokar) “مركبات مدرعة، بينما توفر شركة “آسيلسان (ASELSAN ) ” أنظمة إلكترونية مختلفة للسوق البرازيلية.
كما تتوسّع العلاقات في مجالي الطاقة والتجارة، حيث تعمل شركة “كار باور شيب ( Karpowership )” التركية في البرازيل، ووقّعت عام 2024 اتفاقيّة تعاون مع شركة الطاقة الحكومية “بيترو براس( Petrobras )” في مجال الغاز الطبيعي، وتعدّ البرازيل من أهمّ الشركاء التجاريّين لتركيا في أمريكا اللاتينية.
السلفادور
شهدت العلاقات بين تركيا والسلفادور تطوّراً ملحوظاً في ظلّ حكومة الرئيس نجيب بوكيله، التي ارتبط اسمها بسياسات أمنيّة صارمة ومشاريع السجون الكبرى. وبعد زيارة بوكيله إلى تركيا عام 2022، دخلت اتفاقيات جديدة في مجالي الدّفاع والاقتصاد إلى جدول الأعمال، وفي عام 2025، أقرّ البرلمان اتفاقيّة تعاون في مجال الصناعات الدفاعيّة.
أمّا الجانب الاقتصادي فكان الأكثر جذباً للانتباه، بعد إعلان شركة”يل بورت( Yilport ) التابعة لمجموعة” يلدرم هولدينغ( Yıldırım Holding ) استثمار 1.6 مليار دولار في مينائي آكاجوتلا ولا يونيون، وهما من أهم موانئ البلاد. ويُعد هذا الاستثمار من أكبر استثمارات القطّاع الخاصّ في تاريخ السلفادور، حيث ستتولّى الشركة تشغيل الميناءين لمدّة 50 عاماً.
كولومبيا
رغم استمرار حكومة الرئيس غوستافو بيترو في مسار محادثات السلام ضمن إطار “السلام الشامل”، شهد التعاون مع تركيا في المجال الدفاعي زيادة ملحوظة، وخلال الاجتماعات الاستراتيجيّة بين الوزراء عام 2025، أبدت كولومبيا اهتماماً بطائرات بيرقدار المسيّرة.
وفي الجانب الاقتصادي، تتقدّم العلاقات بشكلٍ تدريجي، إذ تتيح الاتفاقيّات التجاريّة القائمة ووضع تركيا كمراقب في جماعة دول الآنديز فرصاً جديدة للشركات التركية في قطّاعات البناء والتعدين والطّاقة، وبلغ حجم التجارة بين البلدين خلال السنوات الماضية نحو مليار دولار.
تشيلي
تُعد تشيلي قاعدة إقليميّة لشركة “آسيلسان (ASELSAN) وواحدة من أبرز شركاء تركيا في أمريكا اللاتينية. وفي عام 2024، افتتحت هذه الشركة مكتبها الإقليمي في العاصمة سانتياغو، بهدف دعم مشاريع تحديث القوّات البحريّة التشيليّة وتعزيز التعاون في مجالات الرّادار والأنظمة الإلكترونيّة والاستخبارات.
ولا تقتصر العلاقات بين البلدين على المجال الدّفاعي، إذ ما زالت اتفاقيّة التجارة الحرّة الموقّعة عام 2011 بين تركيا وتشيلي تشكّل أساساً مهمّاً للعلاقات الاقتصادية. كما ازداد اهتمام الشّركات التركيّة بقطّاع التعدين في تشيلي، خاصّةً في مجالي الليثيوم والنّحاس، إلى جانب خطوات استثمارية لشركات مثل” بالسوكيدا (Balsu Gıda ) في قطّاع الأغذية.
الخطوط الجوية التركية
إلى جانب مجموعة “يلدرم هولدينع (Yıldırım Holding) تدير شركة “غلوبال بورتس هولدينغ( Global Ports Holding ) التركية خمسة موانئ في منطقة الكاريبي. كما لعبت الخطوط الجويّة التركية دوراً مهمّاً في تعميق العلاقات بين تركيا وأمريكا اللاتينية، إذ تسيّر رحلات مباشرة إلى المكسيك والبرازيل وكوبا وكولومبيا وتشيلي وبنما وفنزويلا.
وكانت الحكومة التركيّة قد أعلنت أنّ عدد الشّركات التركيّة العاملة في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بلغ 688 شركة حتى نهاية العام الماضي، وأنّ حجم مخزون استثمارات رأس المال لهذه الشركات في المنطقة وصل إلى نحو 3.4 مليارات دولار.
