بريطانيا تعدل قانون الهجرة لترحيل مغتصبي قاصرات

تستعد وزارة الداخلية البريطانية لتعديل قانون الهجرة الصادر عام 1971، بهدف سد ثغرة تشريعية حالت دون ترحيل مغتصب قاصرات إلى باكستان بعد الإفراج عنه، الخطوة جاءت تحت ضغط شعبي وسياسي واسع، لكنها تصطدم برفض إسلام آباد استقبال الرجل الذي تعتبره عديم الجنسية، وبشروط دبلوماسية تشمل تسليم معارضين باكستانيين مقيمين في بريطانيا، إضافة إلى عقبات قانونية داخلية قد تؤخر التنفيذ حتى بعد إقرار التعديل.

أعلنت الحكومة البريطانية أنها تستعد لتعديل قانون الهجرة الذي حال دون ترحيل شبير أحمد، بعد قضائه الحد الأدنى من عقوبته البالغ 14 سنة، على أن تعرض وزيرة الداخلية شبانة محمود يوم الإثنين المقبل تفاصيل التعديل بالتزامن مع القراءة الثانية لمشروع قانون الهجرة واللجوء في مجلس العموم.

وشبير أحمد، البالغ من العمر 73 سنة، من مواليد باكستان، وقد دين في بريطانيا عام 2012 بـ30 جريمة اغتصاب أطفال بوصفه زعيم عصابة “روتشديل”، إحدى الجماعات المتورطة في جرائم استغلال القاصرات، وقد أفرج عنه بشروط في الثاني من يوليو (تموز) الجاري.

يعود أصل المشكلة لقانون الهجرة الصادر عام 1971، ويستثني من الترحيل مواطني الكومنولث الذين وصلوا إلى بريطانيا قبل الأول من يناير (كانون الثاني) 1973، وأقاموا فيها خمس سنوات في الأقل، حتى لو جردوا لاحقاً من جنسيتهم البريطانية، وهو ما ينطبق على أحمد الذي وصل إلى البلاد في سبعينيات القرن الماضي.

وزيرة الداخلية شبانة محمود، وتنحدر أيضاً من أصول باكستانية، تقول إن الحكومة وجدت طريقة لإغلاق هذه الثغرة من دون المساس بحقوق مهاجري الكومنولث الآخرين، بمن فيهم أبناء جيل (ويندراش)، وهم المهاجرون الذين قدموا من جزر الكاريبي إلى بريطانيا بين عامي 1948 و1971 للمساهمة في إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وسبق أن تعرض بعضهم لتهديد بالترحيل في فضيحة شهيرة عام 2018.

أثار الإفراج عن أحمد استياء شعبياً واسعاً في بريطانيا، ودفع رئيس الوزراء كير ستارمر إلى مطالبة وزيرة الداخلية بدراسة خيارات ترحيله، مع اثنين من المتورطين في الجرم ذاته، ويحملان الجنسية الباكستانية أيضاً، واصفاً قضية الثلاثة بأنها بالغة الخطورة.

رئيس الوزراء المنتظر أندي بيرنهام كان قد أيد ترحيل أحمد، وكتب عبر منصة (إكس) قبل أيام أنه سيطلب من وزيري الداخلية والخارجية مراجعة الخيارات الممكنة لذلك، وبعد إعلان محمود خطتها لتعديل قانون الهجرة غرد بيرنهام “قرار صائب، أحسنتم”.

قبل أيام قالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك إن حزبها سيسعى إلى تعديل مشروع قانون الهجرة حتى يتاح ترحيل شبير وأمثاله من البلاد فوراً، فيما اعتبر وزير الداخلية في حكومة الظل كريس فيلب أن حزب العمال تراجع أخيراً، ووافق على ما اقترحه المحافظون، مطالباً بتشريع طارئ كي لا يضيع مزيداً من الوقت.

وتعديل القانون لا يعني ترحيل أحمد تلقائياً، لأن الإبعاد القسري لأي مجرم أجنبي يتطلب موافقة بلده الأصلي على استقباله، وقد رفضت باكستان ذلك حتى الآن، وقال مسؤول حكومي باكستاني رفيع إن أحمد شخص عديم الجنسية وليس مواطناً باكستانياً بعدما تخلى عن جنسيته قبل عقود للحصول على الجنسية البريطانية، مضيفاً أنه بالنسبة إلى بلاده مجرد (أجنبي)، لكن لندن تشكك في صحة هذا التنازل، مشيرة إلى أدلة على أن الرجل لم يستكمل الإجراءات الرسمية للتخلي عن جنسيته الأصلية.

بحسب صحيفة “التايمز” ذهبت إسلام أباد أبعد من الرفض، إذ وضعت شروطاً سياسية في مقابل استقبال أحمد، تشمل تسليم معارضين باكستانيين مقيمين في بريطانيا تتهمهم بنشر أخبار كاذبة ودعاية معادية للدولة، من بينهم شهزاد أكبر وعادل رجا، إضافة إلى مطلبها القديم باستعادة ألطاف حسين، واتهم مسؤول باكستاني بريطانيا بممارسة (لي الذراع) وبعقلية استعمارية، محذراً من أن حكومة بلاده الحالية لن تخضع للابتزاز.

وشهزاد أكبر وزير سابق في حكومة رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان، وعادل رجا صحافي وضابط عسكري سابق، أما ألطاف حسين فهو مؤسس حركة “متحدة قومي” المعارضة ويقيم في لندن منذ ثلاثة عقود.

في المقابل لم تستبعد لندن فرض عقوبات تأشيرات على باكستان بوصفها خياراً أخيراً إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، إلى جانب خيارات تشمل عقوبات مالية أو حجب جزء من المساعدات الخارجية البالغة 50 مليون جنيه استرليني سنوياً، فيما تدرس أيضاً بدائل إيجابية كزيادة المساعدات أو الاستثمار في البلاد.

حتى داخل بريطانيا لا يبدو الطريق سالكاً، إذ يمكن لأحمد الطعن قضائياً في قرار ترحيله بالدفع بأنه ينتهك حقه في الحياة الأسرية بموجب المادة الثامنة من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان بعد إقامة تجاوزت 50 عاماً في البلاد، لذا أصرت الوزيرة على صياغة التعديلات بدقة تفادياً لأية عواقب غير مقصودة قد تمس فئات أخرى من المقيمين.

تبقى الكلمة الفصل للمسار الدبلوماسي، إذ نقل عن مصدر حكومي بريطاني قوله إن الحكومة واثقة من وجود حل للجانب الداخلي، لكن مفاوضات وزارة الخارجية مع باكستان هي التي ستحدد ما إذا كان أحمد سيبقى في المملكة المتحدة، وبذلك قد يظل الرجل على الأراضي البريطانية فترة طويلة حتى بعد إقرار التعديل التشريعي، ما لم تتوصل لندن وإسلام آباد إلى تفاهم يتجاوز الشروط المتبادلة بين الطرفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *