غلام إيجئي “جلاد إيران” ذو العمامة البيضاء وألاف الاعدامات

صدر قرار صامت لم تُعلنه الصحافة الإيرانية الرسمية، في الأسبوع الأخير من يونيو 2026، وهو تجديد تفويض غلام حسين محسني إيجئي رئيساً للسلطة القضائية لخمس سنوات إضافية، بتوقيع المرشد الجديد مجتبى خامنئي. رجل يعمل في الظل، لكن أثره على المحكوم عليهم بالإعدام أكثر وضوحاً من أي خطاب رسمي.

وُلد إيجئي العام 1956 في مدينة إيجه بمحافظة أصفهان. درس الفقه والعلوم الدينية في قم ليحمل عمامته البيضاء التي ميّزته عن رجال الدين ذوي العمائم السود. انتسب إلى مؤسسات الجمهورية الإسلامية مبكراً بعد ثورة 1979، وتولّى مناصب متعددة في الجهاز القضائي قبل أن يُعيَّن العام 1999 نائباً لرئيس السلطة القضائية.

لكن التحوّل الذي رسم صورته في ذاكرة الإيرانيين جاء حين تولّى وزارة الاستخبارات بين 2005 و2009 في عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد.

بحسب مجلة “لوبوان” الفرنسية في تلك السنوات الأربع، أشرف إيجئي على ما باتت تُعرف بـ”قضية جواسيس الوزارة”: حين كشف العام 2007 عن “تطهير” داخلي طال عناصر من جهاز الاستخبارات بتهمة ارتباطها بعمليات ابتزاز وتصفية خارج القانون ضد المعارضين والمثقفين الإيرانيين.  وعلى الرغم من أن الكشف بدا تطهيراً ذاتياً، فإن المحللين الغربيين فسّروه بوصفه عملية إعادة سيطرة على جهاز بات يعمل بقدر من الاستقلالية لا تريدها القيادة السياسية.

أقالت موجة الاحتجاجات التي أعقبت انتخابات 2009 إيجئيَ من وزارة الاستخبارات، لكنها لم تُبعده. نُقل إلى النيابة العامة ثم إلى مواقع استراتيجية في الجهاز القضائي، وظلّ حاضراً في اجتماعات الأمن القومي خلال الموجة الخضراء.  ىوحين فُتحت التحقيقات لاحقاً في أحداث سجن كهريزك، حيث لقي معتقلون سياسيون حتفهم تحت التعذيب، كان اسم إيجئي يطفو على السطح قبل أن يختفي تحت حماية المؤسسة.

في 2021، جاء تعيينه رئيساً للسلطة القضائية من قِبَل المرشد الراحل علي خامنئي، وكأن النظام يختار رجله الصعب لمرحلة هي الأصعب. منذ توليه رئاسة القضاء في يونيو 2021، تجاوز عدد أحكام الإعدام المُنفَّذة في إيران أربعة آلاف حالة، وفق التقديرات المتراكمة لمنظمات حقوق الإنسان كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومبادرة إيران للحقوق.

وارتفعت حصة إيران إلى نحو الثلث من مجموع أحكام الإعدام المُنفَّذة عالمياً، ففي العام 2023 وحده، وصل الرقم إلى 834 حكماً، وهو من أعلى الأرقام في التاريخ الحديث لإيران.

وتتنوع التهم الموجَّهة: الإرهاب، وتهريب المخدرات، والاغتصاب، وإهانة المقدسات، والإفساد في الأرض. لكن منظمات حقوقية تُثبت أن كثيراً من هذه الأحكام صدرت بعد محاكمات استغرقت دقائق ودون حضور محامٍ حقيقي. وشمل المحكوم عليهم أفراداً اعتُقلوا وهم قاصرون.

يُحكم إيجئي قبضته على المحاكم الثورية التي تنظر في القضايا السياسية والأمنية. وقد تحدث أمام مجلس الشورى أكثر من مرة عن ضرورة “تسريع العدالة” في مواجهة “أعداء الثورة”، وهي لغة تُترجم على أرض الواقع إلى جلسات استماع مختصرة ومحضر اعترافات تظهر لاحقاً على التلفزيون الرسمي.

وكان إيجئي نفسه في صفوف من دافعوا عن مفهوم هذه الاعترافات، باعتباره أداةً مشروعة لإثبات الجريمة، ردّاً على انتقادات غربية وصفها بالتدخل في الشؤون الداخلية. ما يُضفي على قرار التجديد الأخير أهمية تتجاوز الشخص مفاده أن مجتبى خامنئي، الذي أحكم قبضته على مجلس الخبراء وعين مرشدا بعد وفاة والده، اختار إيجئي رغم تجاوزه السبعين تقريباً.

الرسالة واضحة: استمرارية منظومة الضبط والإكراه التي صمدت أمام “انتفاضة المرأة والحياة والحرية” العام 2022 وأمام مجازر يناير 2026، ستستمر بالرجل ذاته وبالأدوات ذاتها.

ويرى المحللون الذين تحدث إليهم موقع “إيران إنترناشيونال” أن إيجئي يُمثّل “الذاكرة المؤسسية” للجهاز القمعي: رجل يعرف مداخل المنظومة ومخارجها، وتربطه علاقات وثيقة بالحرس الثوري وبمؤسسة رجال الدين المحافظين، وبالتالي هو ضمانة توازن داخلي في مرحلة انتقالية هشّة.

العمامة البيضاء والمعنى الرمزي

وفي المفهوم الديني الشيعي، العمامة البيضاء تُشير إلى عالم الدين الذي لا يُثبت نسبه المباشر إلى النبي، وهو ما يجعل حاملها “مرجعاً” دون “سيد”.

لكن إيجئي حوّل العمامة البيضاء إلى شيء آخر: مؤسسة تستند إلى الشرعية الدينية وتفرض سلطتها بقبضة أمنية صارمة. فخصومه داخل إيران لا يُناقشون فقه أحكامه، بل يتناقلون في صمت الأرقام: 4000 إعدام في أربع سنوات.

إرم نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *