
ظهرت مجموعة من قادة الكنائس التاريخية في إيران، بما في ذلك ممثلو الكنائس الآشورية والكلدانية والأرمنية، خلال جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران. حضر هذا المشهد كبار السياسيين والعسكريين وممثلو الأقليات الدينية المعترف بها رسميًا. وحرصت وسائل الإعلام الإيرانية على تسليط الضوء على هذه المشاركة كرمز للوحدة الوطنية والتفاف جميع مكونات المجتمع الإيراني حول الدولة. لكن، يثار التساؤل: هل كان وجود القادة المسيحيين تطوعيًا أم تحت ضغط سياسي أو بروتوكولي؟
ليس غريبًا أن نرى ممثلي الكنائس التاريخية في إيران يشاركون في مناسبات رسمية للدولة. فمنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، اعتادت قيادات الأقليات الدينية مثل الأرمن والآشوريين والكلدان حضور الأحداث الوطنية الكبرى، مثل الاحتفالات الرسمية أو جنازات كبار المسؤولين.
ويعود ذلك إلى أن الدستور الإيراني يعترف بهؤلاء كأقليات دينية رسمية، مانحًا إياهم تمثيلًا محدودًا في البرلمان، مقابل التزامهم بالإطار الذي تفرضه الدولة. لذا، فإن حضورهم في مثل هذه المناسبات يعتبر غالبًا جزءًا من البروتوكول السياسي الذي ينظم علاقة الأقليات بالنظام.
حتى الآن، لا توجد أدلة مؤكدة أو تصريحات علنية تشير إلى أن قادة الكنائس أجبروا على حضور الجنازة. ولم تصدر بيانات من الكنائس نفسها تشير إلى تعرضها لضغوط مباشرة للمشاركة. إلا أن منظمات حقوق الإنسان والباحثين في الشأن الإيراني يشيرون منذ سنوات إلى أن الأقليات الدينية تعمل داخل هامش ضيق من الحرية، حيث تعتمد علاقتها بالدولة على إظهار الولاء وتجنب أي مواقف توحي بمعارضة.
يرى بعض الباحثين أن المشاركة في المناسبات السيادية الكبرى قد تكون “مشاركة متوقعة” أكثر من “إجبارية”، نظرًا للبيئة السياسية التي تجعل الامتناع عنها خيارًا حساسًا، حتى وإن لم يكن هناك أمر رسمي للإلزام.
تضم إيران عشرات الآلاف من المسيحيين المنتمين للكنائس الأرمنية والآشورية والكلدانية، وهي طوائف تحظى باعتراف قانوني يمكّنها من إدارة شؤونها بحرية نسبية. لذلك، تسعى القيادات التقليدية لهذه الطوائف للحفاظ على علاقة مستقرة مع مؤسسات الدولة لحماية وجودها التاريخي في إيران، حتى لو تطلب الأمر المشاركة في فعاليات ذات طابع سياسي.
شهدت طهران جنازة جماعية للمرشد الراحل، شارك فيها مئات الآلاف بجانب كبار المسؤولين الإيرانيين ووفود أجنبية. وسعت السلطات إلى تقديم الجنازة كمناسبة لإظهار تماسك النظام ووحدة المجتمع خلال مرحلة الانتقال القيادي، مع تغطية إعلامية ركزت على حجم المشاركة.
يظل حضور قادة الكنائس في مثل هذه المناسبات حدثًا متعدد الأبعاد. فمن جهة، تستخدمه الدولة لإبراز صورة التعايش الديني والوحدة الوطنية، ومن جهة أخرى يعكس واقع الأقليات الدينية التي تسعى للحفاظ على وجودها ضمن نظام يحدد حركتها السياسية بوضوح.
القول بوجود إجبار مباشر على المشاركة لا تدعمه الأدلة المتوفرة حاليًا، لكن من الصعب أيضًا فصل هذه المشاركات عن طبيعة العلاقة غير المتوازنة بين الدولة والأقليات الدينية، حيث يصبح الالتزام بالبروتوكول أحد الوسائل للحفاظ على المساحة المسموح بها لهذه المجتمعات في إيران.
