شلل ملاحي في هرمز وتحذيرات من تأخر تعافي إمدادات النفط

شهدت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شبه توقف، اليوم الخميس، بعد تجدد الضربات الأميركية على إيران. مع توقف شبه كلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز وسط هجمات متبادلة بين واشنطن وطهران باتت المؤشرات تتعمق من هشاشة الهدنة بين الجانبين.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن التحركات المرصودة في أهم ممر مائي للطاقة عالمياً تركزت إلى حد كبير عبر مسار معتمد من إيران قرب شمال المضيق. وبحسب “بلومبيرغ الشرق”، فإنه من بين السفن الكبيرة لم ترصد في المضيق سوى ناقلة عملاقة خاضعة لعقوبات أميركية كانت في طريقها إلى خارج الخليج العربي، إلى جانب سفينة حاويات ترفع علم إيران. غير أن احتمال عبور بعض السفن مع إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال يظل قائماً.

شهدت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شبه توقف، اليوم الخميس، بعد تجدد الضربات الأميركية على إيران لليوم الثاني على التوالي. فيما قال بنك “غولدمان ساكس” إن أحدث الهجمات في مضيق هرمز يمكن أن تبطئ وتيرة زيادة إنتاج النفط في الشرق الأوسط، في حين قد يجدد إلغاء الإعفاءات من العقوبات الأميركية الضغط على صادرات النفط الإيرانية، التي لم تبدأ في التعافي إلا في الآونة الأخيرة.

وواصل النفط مكاسبه اليوم، بعدما بددت أحدث موجة من تبادل الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران الآمال في إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وارتفعت العقود الآجلة لخام “برنت” واحداً في المئة إلى 78.88 دولار للبرميل، وزاد خام “غرب تكساس” الوسيط الأميركي بنفس النسبة تقريباً إلى 74.34 دولار. وأغلق كلا المؤشرين على زيادة خمسة في المئة تقريباً أمس الأربعاء، بعدما لامسا في وقت سابق أعلى مستوياتهما في أكثر من أسبوعين.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الاتفاق الموقت الذي وقع الشهر الماضي لإنهاء الحرب مع إيران “انتهى”، وأعاد هذا الأسبوع فرض عقوبات على صادرات النفط الإيرانية. وذكر البنك في مذكرة صدرت أمس أنه يرى أخطاراً صعودية وهبوطية لتدفقات النفط من الخليج والأسعار على المدى القريب.

وأشار إلى أنه لا يزال يتوقع عودة تدفقات النفط عبر الخليج إلى مستوياتها المعتادة بحلول نهاية يوليو (تموز) الجاري إذا استمرت المفاوضات لمدة 60 يوماً، وأعيد العمل بالإعفاء الخاص بالنفط الإيراني، وحصلت شركات الشحن على ضمانات أمنية كافية. ويتطلب هذا السيناريو زيادة التدفقات عبر مضيق هرمز بنحو 6.6 مليون برميل يومياً.

وقال البنك “وعلى رغم أن هذا لا يمثل السيناريو الأساس في توقعاتنا، فإن فشل المفاوضات وتصاعد الهجمات على ناقلات النفط، إلى جانب احتمال فرض الولايات المتحدة حصاراً على النفط الإيراني، قد يؤديان إلى مزيد من التراجع في تدفقات النفط”.

وأضاف أن صادرات النفط من الخليج تبلغ حالياً 71 في المئة من مستوياتها الطبيعية في أعقاب الهجمات الحديثة على ناقلات النفط، انخفاضاً من 83 في المئة من مستويات ما قبل الحرب التي سجلت خلال الأيام الـ10 الأولى بعد إعادة فتح مضيق هرمز في يونيو (حزيران) الماضي.

وقال نائب رئيس أسواق السلع في قطاع النفط لدى شركة “ريستاد إنيرجي” جانيف شاه، إن أعداد الناقلات المارة عبر مضيق هرمز تعد المقياس الأساس للحكم على كفاءة المفاوضات الجارية.

وأضاف أن إنتاج النفط الخليجي يمر بمرحلة حذرة تفرض على الأسواق التعامل معها بطرق متفاوتة، بحسب تطورات الأوضاع في مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، أشار بنك غولدمان ساكس أيضاً إلى أن تصاعد الهجمات على مصافي التكرير الروسية وسط انخفاض مخزونات المنتجات وتباطؤ معدلات التشغيل في الشرق الأوسط وآسيا يعزز توقعاته باستمرار ارتفاع هوامش أرباح المنتجات المكررة لفترة أطول.

إلى ذلك من المتوقع أن تعلن شركتا “شيفرون” و”إكسون موبيل” هذا الشهر عن أفضل نتائج فصلية لهما منذ عام 2022، بعدما أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، إلى تشديد إمدادات النفط والغاز العالمية بصورة كبيرة. وقد يشكل ذلك مشكلة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد شركات النفط الكبرى بسبب إبقاء أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة.

وتستعد أكبر شركتين أميركيتين للنفط لإعلان نتائج الربع الثاني في نهاية الشهر الجاري، وسط توقعات بأن تسجلا أقوى أداء فصلي منذ عام 2022، عندما دفعت العقوبات الغربية على روسيا عقب هجومها على أوكرانيا أسعار النفط العالمية إلى تجاوز 100 دولار للبرميل.

وخلال هذا العام، أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى إغلاق طهران مضيق هرمز، مما تسبب في قفزة حادة بأسعار النفط والغاز، على رغم أنها لم تصل إلى المستويات القياسية التي سجلتها الأسواق في عام 2022.

وكما يحدث عادة عند ارتفاع أسعار الخام، ارتفعت أيضاً أسعار المنتجات النهائية المشتقة منه، مما عزز أرباح شركات التكرير. وخلال أزمة الإمدادات الأخيرة، لعب النفط الأميركي دوراً رئيساً في تعويض جزء من النقص الناتج من منطقة الشرق الأوسط، إذ سجل المنتجون الأميركيون مستويات قياسية في صادرات النفط الخام والمنتجات المكررة، مما عزز مكانة الولايات المتحدة كأكبر مصدر عالمي للنفط والوقود.

لكن هذا الازدهار في الصادرات جاء بكلفة بالنسبة إلى المستهلكين الأميركيين، إذ انعكست زيادة الأسعار العالمية على أسعار الوقود المحلية، في وقت يواجه البيت الأبيض ضغوطاً لخفض كلف الطاقة للأسر والشركات.

وكانت أسعار الوقود للمستهلكين ارتفعت بصورة حادة عقب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل وأشعلت الحرب مع إيران. وعلى رغم أنها لم تصل إلى المستويات القياسية التي سجلتها في عام 2022، عندما تجاوز سعر غالون البنزين العادي خمسة دولارات، فإنها كانت مرتفعة بما يكفي لإثارة غضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وكتب ترمب على منصة “تروث سوشال” في نهاية الشهر الماضي “شركات النفط الكبرى لا تخفض الأسعار عند محطات الوقود بما يتناسب مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط التي تدفعها. تلك الأسعار تهوي بسرعة! وبعبارة أخرى، يتعرض العملاء للاستغلال”. وأضاف “أصدرت تعليماتي إلى وزارة العدل لبدء التحقيق في هذا الأمر فوراً. يجب أن تبدأ أسعار البنزين في الانخفاض بوتيرة أسرع بكثير مما أراه حالياً”.

وجاءت تصريحات ترمب مفاجئة لكثر، نظراً إلى علاقته الوثيقة نسبياً مع شركات النفط الكبرى، التي كانت من أبرز الجهات الداعمة لحملته الانتخابية الرئاسية الثانية. وجعل ترمب من توسيع قطاع النفط والغاز الأميركي أولوية خلال ولايته الرئاسية الثانية، متعهداً بتحقيق “هيمنة الطاقة الأميركية” على مستوى العالم.

وحققت إدارته تقدماً في هذا الاتجاه، على رغم استمرار الجدل حول ما إذا كان الدعم الحكومي العامل الأساس وراء تحول الولايات المتحدة إلى أكبر مصدر عالمي للنفط والغاز، أم أن الفضل يعود إلى أعوام من جهود القطاع الخاص لتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المختلفة.

وردت شركات النفط على اتهامات ترمب في شأن رفع الأسعار، مؤكدة أن شركات التكرير وموزعي الوقود لا يملكون سلطة موحدة لتحديد الأسعار، وأنها تتبع في المقام الأول اتجاهات أسعار الخام في الأسواق العالمية.

وأقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاحقاً بأن أسعار الوقود بدأت في التراجع، بعدما انخفض متوسط السعر الوطني إلى ما دون أربعة دولارات للغالون، لكنه أصر على أن السعر العادل للبنزين يجب أن يكون 2.50 دولار للغالون، محملاً شركات مثل “شيفرون” و”إكسون موبيل” و”شل” و”بريتيش بيتروليوم” و”بي بي” مسؤولية عدم بلوغ هذا المستوى.

وقالت المتحدثة باسم معهد البترول الأميركي بيتاني ويليامز لموقع “أويل برايس دوت كوم” رداً على انتقادات ترمب، “قطاعنا يشترك في هدف تخفيف الأعباء عن المستهلكين عند محطات الوقود واستعادة الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية”، مشيرة إلى أن أسعار الوقود لا “تتحرك بصورة متزامنة تماماً” مع أسعار النفط الخام.

وأضافت ويليامز في ذلك الوقت “أسعار البنزين لا تتحرك بالتوازي مع أسعار الخام، خصوصاً خلال اضطرابات عالمية كبرى تؤثر في الإمدادات وعمليات التكرير ومستويات المخزون”. وشنًت الولايات المتحدة ضربات جديدة على إيران، بعدما أعلن الرئيس ترمب أمس انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار الهش، واعتبره “منتهياً”.

وقال ترمب إن الهجمات التي استهدفت بصورة رئيسة مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني، جاءت “رداً انتقامياً” على الضربات الإيرانية ضد سفن في مضيق هرمز. من جانبها، أعلنت إيران أنها استهدفت في وقت مبكر من اليوم قواعد عسكرية أميركية في البحرين والكويت، محذرة من أنها ستكرر هذه الهجمات إذا واصلت الولايات المتحدة ضرباتها.

ترمب الذي كان في تركيا للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي، غادر عائداً إلى الولايات المتحدة مع استئناف الضربات الأميركية على إيران. ومع انتظار إن كانت إيران سترد بضربات انتقامية على القواعد الأميركية في المنطقة وربما على إسرائيل، ستصبح فرص التوصل إلى اتفاق نهائي بعيدة المنال، كما أن عودة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز لا تزال مستمرة لكنها غير مؤكدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *