
تكشف الهجمات الإيرانية الجديدة على ناقلات وسفن تجارية قرب مضيق هرمز عن معضلة تواجهها طهران، التي تعتمد على سيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم كورقة ضغط في مواجهة خصومها، بينما بدأت حركة الملاحة والتجارة النفطية في التعافي عبر مسارات بديلة تقلل من قدرة إيران على استغلال نفوذها في المضيق.
واستهدف الحرس الثوري الإيراني سفينتين تجاريتين قرب مضيق هرمز بصواريخ، الثلاثاء، في هجوم أعاد المخاوف بشأن أمن أحد أهم الممرات التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية، كما تعرضت ناقلة أخرى لهجوم بجسم غير محدد تسبب بأضرار هيكلية، وفق ما أفادت به عمليات التجارة البحرية البريطانية التابعة للبحرية الملكية.
وتأتي هذه الهجمات في وقت تحاول إيران فرض شروط جديدة على حركة السفن العابرة للمضيق، حيث تسعى إلى دفع السفن للحصول على موافقتها المسبقة، واستخدام مسارات بحرية خاضعة لنفوذها، وربما فرض رسوم على عمليات العبور مستقبلا، بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”.
لكن الصحيفة ترى أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات متزايدة، إذ دفعت الهجمات والتهديدات الأمنية دول الخليج وشركات الطاقة العالمية إلى تسريع الاستثمار في البدائل، سواء عبر خطوط أنابيب برية أو تخزين النفط في الخارج أو استخدام مسارات بحرية أخرى، ما يضعف قدرة طهران على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي وسياسي.
ورقة نفوذ تتآكل
وقالت سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “تشاتام هاوس”، إن الهجمات الإيرانية تهدف إلى تعطيل حركة السفن وردعها عن عبور المضيق، لكنها قد تأتي بنتائج عكسية، مضيفة أن إيران “تقطع الغصن الذي تجلس عليه” من خلال دفع الدول إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على هرمز.
وأشار التقرير إلى أن حركة الشحن عبر المسار الجنوبي للمضيق، القريب من السواحل العمانية والخاضع لمراقبة دولية، بدأت في الانتعاش بعد تراجع كبير خلال فترة الحرب. ووفق بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تحليل أسواق السلع، عبرت نحو 36 سفينة هذا المسار في يوم واحد، مقارنة بعدد محدود من السفن يوميا خلال ذروة التوترات.
وبحسب بيانات “كبلر”، وصلت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى نحو 8 ملايين برميل يومياً في بداية يوليو/ تموز، أي ما يقارب نصف مستويات ما قبل الحرب، بالتزامن مع ارتفاع الإمدادات من الولايات المتحدة وكازاخستان والبرازيل وفنزويلا، وهو ما يقلل من تأثير أي اضطرابات محتملة في المنطقة.
وفي الداخل الإيراني، أثارت عودة حركة الملاحة عبر المسارات البديلة انتقادات من التيار المحافظ، الذي اعتبر أن السماح للسفن باستخدام طرق لا تخضع بالكامل للسيطرة الإيرانية يمثل تراجعاً عن سياسة الضغط على حركة العبور في المضيق.
وتقول الصحيفة إن الخلاف حول مستقبل هرمز انعكس على النقاش السياسي داخل إيران، إذ يسعى الرئيس الإيراني والتيار المدني إلى تخفيف التوترات مع الغرب بهدف جذب الاستثمارات والإفراج عن أموال مجمدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، بينما يتمسك الحرس الثوري والتيارات المتشددة بالحفاظ على السيطرة الأمنية والعسكرية على المضيق باعتباره أداة نفوذ إقليمي.
وقال ماكس ميزليش، المسؤول السابق في ملف العقوبات الأمريكية، إن مضيق هرمز قد يكون “أصعب على إيران تحقيق مكاسب مالية منه مقارنة بقدرتها على تهديده”، مشيرا إلى أن قدرة طهران على خلق حالة من عدم اليقين حول حركة الملاحة تمنحها نفوذاً غير متناسب مع قدرتها الفعلية على التحكم بالممر.
