
رحل الأستاذ “مختار نوح”، المحامي القدير والقيادي السابق في تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية، والصندوق الأسود لأسرار الجماعة التي لم يُكشف أغلبها إلى الآن. رحل بعد أن فاجأته وعكة صحية بالقلب، فحوّل عناصر الإخوان وفاته إلى مناسبة لإعلان الفرح والشماتة فيه، حتى بات من يطالع كتاباتهم وحواراتهم وبرامجهم كأنّهم كانوا ينتظرون تلك اللحظة ليصبّوا جام غضبهم عليه.
رغم أنّ الموت سنة الحياة، ورغم أنّ قيادات الجماعة التي تورطت في الدماء ماتت أيضًا، إلا أنّ جماعة الإخوان تصرّ على اعتبار الموت عقابًا من الله، لكنّه فقط عقاب ضد من تعاديه الجماعة، وشهادة وعلامة رضا من الله لمن ترضى عنه الجماعة. هذه الحالة البائسة تدلّ على نفوس مريضة وصدور معلولة وعقول مغيبة، وهي مستمرة؛ فلم يكن الفقيد، رحمة الله عليه، أوّل، ولن يكون آخر من تشمت فيه عناصر الجماعة لموته.
خاض “نوح” معارك سياسية ضد تنظيم الجماعة، وانحاز للوطن وللشعب المصري، رافضًا ممارسات الجماعة، وعلى وجه الخصوص فيما بعد رابعة. فقد ثبت في يقين الرجل أنّ الجماعة التي عرفها وانتمى إليها لم تكن كما تخيلها أو كما كان يدافع عنها، وأنّه رغم طول انتمائه إلى الجماعة، فهم مؤخرًا أنّ التنظيم السرّي والقطبي كان يستبعده؛ لأنّه لم يكن منهم فكرًا ولا سلوكًا ولا عملًا. وفهم متأخرًا أنّ الجماعة كانت تستفيد من قدراته كشخصية عامة وقانونية ونقابية لها وزنها السياسي، وعندما أدرك هذه الحقيقة، كان عليه أن يختار: إمّا الصمت مع الذين صمتوا على جرائم الجماعة، وإمّا أن يُحذّر المجتمع والدولة منهم ومن ممارساتهم وأكاذيبهم وشائعاتهم، فاختار الطريق الصعب. تحرر من قيود الجماعة، ولاذ بالوطن وبمصريته، وقبل عن طيب خاطر أن يدفع الثمن، ولم تقصّر عناصر الجماعة، فقد شهّروا بالرجل واتهموه بكل نقيصة في محاولة لاغتياله معنويًا، لكنّه كان صامدًا، يدرك حجم وحقيقة رسالته.
مختار نوح لم يكن شخصًا هامشيًا داخل الجماعة، بل كان من الوجوه المعروفة في مرحلة مهمة من تاريخها، وتحمل السجن والملاحقة بسبب انتمائه إليها. وكان جزءًا من العمل العام والنقابي والسياسي، وأسهم في ملفات عديدة، قبل أن يراجع تجربته ويعلن اعتراضه على مسارات رآها خطرة ومنحرفة، خاصة صعود التيار القطبي المتشدد وهيمنته على مفاصل التنظيم.
جريمة الرجل الحقيقية في نظرهم لم تكن خيانة ولا عمالة، كما يردد البعض، بل أنّه امتلك شجاعة المراجعة، ورفض الصمت، وكشف ما رآه من أخطاء وانحرافات. ولهذا تحوّل من قيادي إخواني من الفئة الأولى التي تتصدر المشهد، إلى إخواني سابق أو منشق، فأصبح هدفًا دائمًا لحملات التشويه؛ لأنّ تنظيم الإخوان السرّي والمسلح لا يغفر لمن يخرج من صفوفه، والأخطر أنّه تكلّم.
هذا الموقف الواضح الجريء، الذي لا لبس فيه، لم يرُق للجماعة، فسلطت حملات التشويه عليه وعلى رفاقه من الذين خرجوا عن الجماعة وعادوا إلى مصريتهم. وحسب قول مختار على صفحته في (فيسبوك): “إنّ أهمّ إنجاز للسيسي هو أنّه فجّر فينا مصريتنا، وأقول مصريتنا، وأقصد مصريتنا”. هذه المصرية هي التي لم يتقبلها الإخوان، وهي التي لم يتحملوا أن يعلنها مدوية أنّ الإخوانية نقيض المصرية. وتقريبًا هو المعنى نفسه الذي قصده الكاتب والصديق طارق البشبيشي في كتابه الشهير “كنت إخوانيًا وأصبحت مصريًا”.
موقف الإخوان ولجانهم الإلكترونية بالشماتة في وفاة مختار نوح كشف عن أزمة أخلاقية عميقة متغلغلة في نفوس الإخوان؛ فقد تحولت لحظات الوفاة لكل مختلف مع الإخوان إلى فرصة ومناسبة للشماتة والتشويه وتصفية الحسابات، وصلت إلى التأكيد أنّه يرى مقعده من النار، وأنّه لن يجد ما يقوله لربّ العالمين. ومن المؤسف أن يصل الانحدار الإنساني إلى هذا المستوى؛ فالموت في ثقافة الشعوب والأديان لحظة يتوقف عندها الخصام، وتُراعى فيها حرمة الإنسان، ويُترك الحساب لله. لكنّ ما جرى ويجري وسيجري عند أيّ وفاة أظهر أنّ الجماعة حين تختلف مع أحد، لا تكتفي بمعارضته حيًا، بل تطارده حتى بعد رحيله، كأنّها تريد أن يُزجّ به في نار جهنم عقاباً له على ترك الجماعة المقدّسة.
الشماتة في الموت ليست قوة، بل هي ضعف أخلاقي بالغ، وهي مرض عضال لن يشفى من يقع فيه بسهولة، والإساءة إلى رجل بعد وفاته لا تمحو تاريخه، بل تكشف أخلاق من يسيئون إليه. ومن يعرف سيرة مختار نوح يدرك أنّه كان صاحب شخصية مستقلة، حاضرًا في النقاش العام، جريئًا في طرحه، ومؤمنًا بما يقول حتى لو خالف الجميع.
لقد اختلف معه كثيرون، واتفق معه آخرون، وهذا أمر طبيعي في السياسة والفكر، لكن من غير الطبيعي ألّا يُحترم الإنسان بعد موته، وألّا تُصان سيرته من حملات الكراهية الرخيصة، وأن تُحوَّل جنازته إلى ساحات انتقام. إنّ ما فعله الإخوان عقب وفاة نوح دليل أزمة نفسية وأخلاقية.
رحم الله مختار نوح، وغفر له، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته. أمّا الذين شمتوا وسبّوا، فقد قدّموا للناس شهادة حية ودليلًا قاطعًا على أنّهم جماعة تكفيرية، وأنّهم لا يقبلون الآخر، وأنّ طبيعة ما يحملونه من قسوة وغِلّ، تجعلهم لا دعاة ولا قضاة ولا سياسيين، ولا طبيعيين.
وكان آخر ما كتبه الراحل على صفحته: “ظل الإخوان يتناقصون في حياتي حتى بدؤوا في التلاشي مع أحداث رابعة المسلحة، وكان منهم طبيب يتظاهر بالصبر حتى يتمكن علاجي من الكفر بالإخوان، وكان من المضحك أن عاد ذات يوم من رابعة وهو يزفّ إليّ أنّ أحدهم في رابعة المسلحة رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطلب منه أن يصلي بالمجتمعين في رابعة، لكنّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عقّب قائلًا: يصلي بكم الدكتور مرسي. والعجيب أنّ الناس هتفوا ساعتها: الله أكبر! فضحكت، وقلت له: وهل هذه بشارات يا دكتور؟! لقد رفض الرسول أن يشارككم الجهل وتبرّأ منكم، ولم يصلِّ بكم، فما الذي يسعدك في رفض الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصلي بكم؟! أتدري أنّ معناه أنّكم في حالة انتكاسة إيمانية خطيرة عن الدين، مثل من يصلي والكعبة خلفه وليست أمامه، فهو في انتكاسة في الدين. يا دكتور، أنا مش زعلان أنكم ساقطون في الدين، لا، وساقطون كمان في السلوك، وكمان اكتشفت النهار ده إنّكم ساقطون في تأويل الرؤى. ومنذ ذلك اليوم غاب عني صديقي الإخواني ولم يعد.”
حفريات: طارق أبو السعد
