انتخابات فرنسا: اختراق لليسار الراديكالي، واليمين يعزز مواقعه

كشفت نتائج الدورة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية عن اختراق، لم يكن متوقعا، لحزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي بزعامة جان لوك ميلانشان، وهو ما يعاكس التوجه في أغلب البلدان الأوروبية، وعن تعزيز اليمين المتطرف بحزبيه، “التجمع الوطني” بزعامة مارين لوبن، في عدة بلديات فرنسية، وحزب “الاسترداد” بزعامة أريك زيمور في باريس.

حقق حزبفرنسا الأبيةاختراقا مفاجئا، لم تتوقعه استطلاعات الرأي ونخبة المحللين في الإعلام الفرنسي، إذ تمكن من الفوز ببلدية الضاحية الباريسية سانت دنيس من الدورة الأولى، واحتل مراكز تؤهله للفوز في مدن كبيرة مثل تولوز، والأهم من ذلك أنه أصبح يحتل موقع، ما يسمى بـ”صانع الملوك”، أي أنه قادر على حسم العديد من النتائج في الدورة الثانية وفقا لتحالفاته في الدورة الثانية.

شكلت هذه النتيجة مفاجئة كبيرة لسببين،

  • توجه الناخبين، عموما، في العديد من البلدان الأوروبية والغربية هو لدعم قوى اليمين المتطرف التي تشهد صعودا سريعا، بما في ذلك فرنسا.
  • سلسلة الاتهامات العديدة التي واجهها حزب “فرنسا الأبية”، بدء من معاداة السامية بسبب موقفه من الحرب في غزة، التحالف مع الإسلاميين بسبب مواقفه من الحجاب بهدف حصد أصوات المهاجرين المسلمين، وتوظيف العنف في الحياة السياسية مع مقتل شاب من اليمين المتطرف في اشتباك مع أعضاء حركة “الحرس الشاباليسارية والمقربة من “فرنسا الأبية“.

نجح رؤساء بلديات هامة من أعضاء حزب التجمع الوطنيبزعامة مارين لوبن، في الاحتفاظ بمواقعهم من الدورة الأولى، مثال مدينة بربينيون، كما حصل حليفهم ايريك سيوتي (الرئيس السابق لحزب الجمهوريين اليميني التقليدي، قبل انشقاقه) على المركز الأول في مدينة نيس، ويتمتع بفرص كبيرة لحسم المعركة لصالحه في الدورة الثانية، كما حصل مرشح “التجمع الوطني” على المركز الثاني في مدينة مارسيليا، ويتمتع بفرص للفوز في الدورة الثانية.

حصلت سارة كنافو، مرشحة حزب “الاسترداد” (على يمين “التجمع الوطني”) على نسبة 10٪ في الدورة الأولى في باريس، مما يسمح لها بالبقاء للدورة الثانية أو مساومة مرشحة اليمين التقليدي رشيدة داتي على تنازلها.

تمكن الحزب الاشتراكي من الحفاظ على مواقعه، وتقليص الخسائر التي تلحق به منذ عدة سنوات، نظرا لأنه أحد أكثر الأحزاب التي تتمتع بجذور قوية في البلديات

تراجع حزب “النهضة” الذي أسسه ماكرون بصورة كبيرة

أحد الأطراف التي تكاد أن تكون قد اختفت في انتخابات البلدية هو حزب “النهضة” الذي أسسه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لسببين

  • رفض الرأي العام الفرنسي لسياسات ماكرون، التي أثارت العديد من التحركات الشعبية المحتجة والرافضة خلال السنوات الأخيرة.
  • تأسس حزب “النهضة” عام 2022، وهو بالتالي حزب وليد لا يتمتع بأي جذور في البلديات الفرنسية.

تراجع نسبي لليمين التقليدي

لا يمكن القول إن اليمين التقليدي هو الخاسر الكبير، ولكنه تراجع بصورة نسبية لسببين

  • السبب الرئيسي يتعلق بصعود اليمين المتطرف، والذي يحصد منذ عقود ناخبي اليمين التقليدي، ويؤدي لتراجعه حجمه في الانتخابات المختلفة.
  • حالة الانقسام السائدة في أوساط اليمين التقليدي، بين أطراف انضمت أو أيدت ماكرون، وأطراف أخرى انضمت أو أيدت حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف

تحديات الدورة الثانية في انتخابات البلدية

يتلخص الأمر في تحد من نوع واحد، ولكنه قائم في معسكري اليمين واليسار

  • لن يتمكن الاشتراكيون من تحقيق نتائج في العديد من البلديات والمدن الرئيسية دون تأييد “فرنسا الأبية” والتحالف معها، وذلك بعد أن وجهوا لهذا الحزب وزعيمه جان لوك ميلانشان سلسلة من الاتهامات بمعاداة السامية والتحالف مع الإسلاميين وبث العنف في الحياة السياسية، وقد اتخذوا قرارا بالامتناع ن عقد تحالف على المستوى الوطني، والسماح لمرشحيهم بالتفاوض مع “فرنسا الأبية” محليا، ووفقا لظروف البلديات المختلفة
  • يجد اليمين التقليدي نفسه في مواجهة أزمة مشابهة للاشتراكين، نظرا لحاجته لتأييد حزب “التجمع الوطني”، ولكن ذلك يعني التخلي عن موقف مبدأي وتاريخي برفض أي تعاون مع اليمين المتطرف، وهو موقف اليمين التقليدي منذ ثمانينيات القرن الماضي.

تجري انتخابات البلدية في فرنسا، عادة، بعيدا عن تحديات المناخ السياسي العام، نظرا لأنها تتعلق بمرشحين محليين في حوالي 34 ألف بلدية، تتعلق مهامهم بإدارة أمور الحياة اليومية في هذه البلديات، ونجاح هذا المرشح أو ذاك لا ترتبط مباشرة بانتمائه السياسي.

ولكن الصورة اختلفت في انتخابات 2026، إذ برز العنصر السياسي بصورة كبيرة، نظرا لأن الفرنسيين يعيشون مرحلة الأزمة منذ عدة سنوات، كما أنها آخر انتخابات تجرى قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *