هل يؤدي الارهاب الاسلامي الى انقراض المسيحية في الشرق الأوسط؟

ما انفكّ مسيحيّو الشرق يُعانون اضطهاداتٍ متكرّرة بين حينٍ وآخَر على مدى ألفَي عامٍ ونيّف، منذ أن شهدت أرضهم ميلاد المسيح المخلِّص وغَدَت مهد المسيحيّة الأولى وموطن نشأة كنائس رسوليّة عدّة، ومُنطَلَق المبشّرين إلى أصقاع الأرض.

وبفضل صمودهم شهودًا، وتضحياتهم شهداء، حفظوا وديعة الإيمان وسلّموها بالتواتر، جيلًا إلى جيل، حتّى بلَغَتْنا اليوم في مطلع الألفيّة الثالثة. وعلى مدى القرون المنصرمة، أدّت المجتمعات المسيحيّة «في الشرق الأوسط» دورًا بارزًا في خدمة بلدانها، اجتماعيًّا وسيّاسيًّا، وأسهَمَت في إنعاش ثقافاتها وإغناء علومها ونثر المحبّة والسلام أينما حلّت.

ورغم خدماتهم وإبداعاتهم، تتالت النوائب على مسيحيّي الشرق، وعاشوا معاناة على صعد عدّة، لا سيّما في العقود الأخيرة، ما سبّب موجات هجرة واسعة أدّت إلى تراجعٍ ملحوظ في أعدادهم ووضعتهم أمام خطر الانقراض بعد أن كانوا غالبيّة السكّان.

يبدو التحدّي اليوم أعظم وأقسى من كلّ ما مضى، فالدراسات الديموغرافيّة تدقّ جرس إنذارٍ إزاء انحدار نسبة المسيحيّين في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من قُرابة 15% مطلع القرن العشرين، إلى نحو 3% مطلع القرن الحادي والعشرين، ما يضع حضورهم التاريخيّ الفاعل أمام تحدّي الزوال.

بدأت هجرة مسيحيّي العراق منذ مطلع ستّينيّات القرن الماضي، ونشطَت لاحقًا بسبب مآسي حروب الخليج المتعاقبة وتدهور الأوضاع المعيشيّة نتيجة الحصار الاقتصاديّ في تسعينيّات القرن المنصرم.

لكنَّ أحداث 2003، وما تبعها من حربٍ طائفيّة وتهجير وموجات عنفٍ وتفجيرات، استهدفَ بعضها كنائس، وعمليّات خطفٍ طالت مسيحيّين كُثُرًا، إكليروس وعلمانيّين، واستشهاد عددٍ منهم، ثمّ اضطرار مسيحيّي الموصل، ثاني أكبر المدن العراقيّة، وقُرى سهل نينوى وبلداته، إلى الجلاء عنها في إثر الاحتلال الداعشيّ في العام 2014، كانت ذات تأثيرٍ مفصليّ ونقطة تحوّلٍ دفعت جُلّ مسيحيّي العراق إلى الهجرة، قاصدين قارّات أوروبا وأميركا وأستراليا. فتناقصت أعدادهم من قُرابة مليونٍ ونصف مليون نسمة قبل 2003 إلى نحو نصف مليون، بحسب البطريركيّة الكلدانيّة. وتعتمد المنظّمات الدوليّة أرقامًا مشابهة، لعدم توفّر إحصاءات رسميّة حديثة ودقيقة.

عرَفَ السوريّون الهجرة إلى الأميركيّتَيْن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتواصلت بسبب ويلات الحرب العالميّة الأولى وتدهور الأوضاع المعيشيّة جرّاءها. لكنّهم حافظوا على نسبةٍ تُقارِب 10% من سكّان البلاد قبل اندلاع أحداث العام 2011، ما يُعادل أكثر من مليونَي نسمة، يتمركز معظمهم في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وسواها.

لكنّ استمرار الصراع أكثر من عَقْدٍ، ثمّ الزلزال الذي ضربَ حلب ونواحيها، وما رافَقهما من دمار، سبَّبا نزوحًا داخليًّا ثمّ موجات هجرة تناقصت في إثرها أعداد المسيحيّين إلى قُرابة نصف مليون، بحسب مصادر، لكنّها لا تزيد على 300 ألف حسب مصادر أُخرى. لا يبدو أنّ ثمّة عائدين من المهاجر يُمكن أن يُسجِّلوا زيادةً في أعداد مسيحيّي سوريا عقب تغيير النظام في العام 2025. ورغم محدوديّة استهداف الكنائس والتجمّعات المسيحيّة في البلاد، تبدو آفاق المستقبل ضبابيّة وغير مشجِّعة.

يحظى الحضور المسيحيّ في لبنان بخصوصيّةٍ تُميِّزه عن سائر بلدان الشرق. فعلى الصعيد العربيّ والشرق أوسطيّ، هو الدولة الوحيدة التي يتولّى رئاستها منذ التأسيس مسيحيٌّ، مارونيّ تحديدًا، وفق الميثاق الوطنيّ الموقَّع في العام 1943، فضلًا عن فضاء الحرّيّة الذي يتمتّع به سائر مواطنيه، وبينهم المسيحيّون الذين شكّلوا عند تأسيس دولة لبنان الكبير في العام 1920 أكثر من نصف السكّان بقليل.

لطالما كانت أسباب اللبنانيّين في ابتغاء الهجرة مغايرة عن محيطهم الإقليميّ غالبًا، مثل البحث عن فرص تعليمٍ أفضل ومصادر رزقٍ أوسع، حتّى جاءت الحرب الأهليّة (1975-1990) بتداعياتها الأمنيّة والاقتصاديّة لتقلب الموازين وتقود مسيحيّي لبنان أفواجًا وزرافات إلى المهاجر في الأميركيّتَيْن وأوروبا وأستراليا، مشكِّلين نسبةً تُقارب 78% من مجمل المهاجرين اللبنانيّين في خلالها.

وفي ظلّ غياب إحصاء رسميّ، يبدو الاستناد إلى أعداد الناخبين المسيحيّين، خيارًا معقولًا لتحديد نسبتهم من السكّان التي تكاد تقارب 35% من السكّان اللبنانيّين، علمًا أنّ هذا البلد يضمّ أيضًا أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيّين والسوريّين والعراقيّين أيضًا، ما يُفاقِم أزمته الاقتصاديّة.

تُعدّ المملكة الأردنيّة الهاشميّة من أبرز الدول التي حافظت على استقرارها وأمان مواطنيها، مقارنةً بمحيطها المُلتَهِب. وتشهد المملكة تعايشًا دينيًّا ساعد مسيحيّيها على المحافظة على نسبتهم ضمن النسيج المجتمعيّ، بل استقبلت أيضًا، على مدى العقود الثلاثة الماضية، أفواجًا من مسيحيّي العراق، اتّخدوا المملكة محطّةً أولى في رحلتهم إلى المهجر.

ورغم ذلك، يبدو أنّ نسبة المسيحيّين تقلّصت من 10% مطلع القرن العشرين، إلى قرابة 4% «من عدد السكان المقدَّر بـ6.5 ملايين نسمة» مطلع القرن الحادي والعشرين، حسب دراسة أعدَّها الأب حنّا كلداني، وتناقصت إلى نحو 2% لاحقًا.

وقد تبدو نسبة التناقص متناسبة مع تزايد أعداد السكّان المسلمين بوصول اللاجئين الفلسطينيّين عقب العام 1948، ومعظمهم مسلمون. هذا فضلًا عن هجرة نسبة من المسيحيّين بحثًا عن مستقبلٍ أفضل، مع تذبذب الأوضاع الاقتصاديّة في محيط غير مستقرّ.

للأراضي المقدّسة قدسيّتها لدى الديانات السماويّة الثلاث، لا سيّما المسيحيّة، فعلى أرضها وُلِدَ المسيح وعاشَ وعلّم، وهناك عُلِّق مصلوبًا ثمّ قامَ منتصِرًا على الموت. إذن، يُعدّ ارتباط المسيحيّة بالأراضي المقدّسة جوهريًّا ووثيقًا.

إلّا أنّ أعداد الفلسطينيّين المسيحيّين  تراجعت إلى حدٍّ كبير في القرن الماضي، مع تتالي الأحداث، بدءًا بحرب العام 1948 والصراع السياسيّ الذي أعقبها، وسلسلة الانتفاضات الفلسطينيّة ضد الوجود الإ*سر*ائي*ليّ، وصولًا إلى الأحداث الأخيرة والحرب المدمّرة في غزّة.

وقد خلّفَ كلّ ذلك وضعًا أمنيًّا متذبذبًا وظروفًا اقتصاديّة صعبة في بلادٍ تعتمد على موارد السياحة الدينيّة في شكلٍ كبير، ما أدّى إلى تضاؤل نسبة المسيحيّين من 11% مطلع القرن المنصرم إلى 8% في العام 1946، ثمّ إلى أقلّ من 1% في العام 2025، هم القادرون على الصمود إزاء التحديّات العسيرة.

وقَعَ مسيحيّو شمال إيران ضحايا اضطهاداتٍ ومجازر إبّان الحرب العالميّة الأولى، ما اضطرّ كثيرين من الناجين إلى النزوح عن أراضيهم التاريخيّة إلى ملاذات آمنة في دولٍ عدّة، فتراجعت أعدادهم. واستمرَّ التراجع بوتيرة بطيئة في سنوات الاستقرار في خلال حكم الشاه.

بعد الثورة الإسلاميّة، تناقص حضور المسيحيّين الذين كان عددهم قرابة 1.800.000 نسمة، مع تغيّر قواعد الحرّيات الدينيّة فضلًا عن تراجع الوضع الاقتصاديّ مع اندلاع الحرب العراقيّة-الإيرانيّة وتحدّياتها الأمنيّة، وصولًا إلى الحرب المندلعة حاليًّا. ويُشير تعداد السكّان لعام 2016، إلى وجود قرابة 130,158 مسيحيًّا معترفًا بهم، فالمتحوِّلون من الإسلام إلى المسيحيّة غير معترف بهم ومضطهدون. وقدَّرتهم منظّمات حقوقيّة بقرابة 800.000 نسمة في العام 2026.

تبدو مصر من أكثر الدول التي حافظت على نسبة المسيحيّين فيها، رغم مواجهتها حروبًا عدّة وأوضاعًا اقتصاديّة صعبة. وربّما يكون لعدد الولادات الكبير تأثيره الواضح رغم هجرة كثيرين للأسباب المذكورة. وقد انخفضت النسبة من قرابة 9% مطلع القرن الماضي إلى قرابة 6% في نهايته بحسب دراسات إحصائيّة، لكنّ الكنيسة تقول إنّها تقارب اليوم 15%.

وفي تركيا، اضمحلّت نسبة المسيحيّين من قرابة 20% قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى وقبل وقوع مجازر سيفو ضدّ المسيحيّين الأرمن والكلدان والسريان واليونانيّين، إلى ما دون 0.5%. وإلى جانب استمرار التمييز والاضطهاد على مدى العقود اللاحقة، تبرز المعاناة الاقتصاديّة بوصفها سببًا آخَر لهجرة المسيحيّين من تركيا. وتكاد محطّات مهمّة في التاريخ المسيحيّ، مثل أنطاكيا وأفسس وسواها، تخلو من مسيحيّيها.

يعكس تراجع أعداد المسيحيّين في الشرق انقلابًا في ديموغرافيّة المنطقة التي كانت ذات غالبيّة مسيحيّة، ويُبرز تأثير حروبٍ واضطهاداتٍ وأزماتٍ سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة عدّة تسبّبت في نزيفٍ كهذا، ويؤشّر إلى تناقص ملحوظ في عدد الولادات لدى العائلات المسيحيّة الصامدة، فضلًا عن غياب إحصاءاتٍ حكوميّة رسميّة في دولٍ عدّة منذ سنوات.

يُقابل ذلك نشوء مجتمعاتٍ لمسيحيّين مشرقيّين في بلاد الاغتراب من أستراليا إلى أوروبا وصولًا إلى الأميركيّتَين، تجتهد لتبقى مرتبطةً بجذورها ومحافظةً على تراثها المشرقيّ، ومتطلّعة إلى العودة التي تبدو اليوم شبه مستحيلة.

رغم تجدّد الحرب في منطقة الشرق الأوسط، لم تعد الهجرة خيارًا ممكنًا، فالأجواء مغلقة والطيران معلَّق، وقوارب الهجرة غير الشرعيّة ما عادت تصارع موجات البحر المتوسّط، وربّما أصبح التمسّك بأرض الآباء والأجداد خيارًا إجباريًّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *