
في تطور أمني لافت يعكس اتساع المواجهة غير المباشرة بين إيران ودول الخليج، أعلنت الدوحة عن إحباط نشاط خليتين تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني داخل أراضيها، في خطوة تُسلّط الضوء على عمق الاختراق الإيراني المحتمل في منطقة تُعدّ من أكثر الساحات حساسية استراتيجياً لإسرائيل والولايات المتحدة. وتعكس – وفق تقديرات تحليلية– تصعيداً إيرانياً يجمع بين الضغط العسكري العلني وبناء بنية تحتية سرية في دول الخليج.
ووفق بيان جهاز أمن الدولة القطري الذي نشرته وكالة الأنباء القطرية، أسفرت عمليات رصد ومتابعة عن اعتقال عشرة أشخاص، أقرّوا خلال التحقيقات بارتباطهم بالحرس الثوري وتلقيهم تكليفات مباشرة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن سبعة من الموقوفين كُلّفوا بجمع معلومات استخبارية عن منشآت حيوية وعسكرية، فيما أُسندت إلى ثلاثة آخرين مهام تخريبية، مع تلقيهم تدريبات على استخدام طائرات مسيّرة. كما ضُبطت بحوزتهم إحداثيات لمرافق حساسة ووسائل اتصال وأجهزة تقنية.
يتزامن هذا الإعلان مع تصعيد عسكري مباشر، إذ أعلنت وزارة الدفاع القطرية تعرض البلاد لهجوم بصاروخين باليستيين أطلقا من إيران، مشيرة إلى اعتراض أحدهما وسقوط الآخر في محيط قاعدة العديد دون تسجيل إصابات بشرية. وفي أعقاب ذلك، وجّهت الدوحة رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اعتبرت فيها الهجوم انتهاكاً صارخاً لسيادتها، وأكدت احتفاظها بحق الرد وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وتكشف هذه التطورات عن نمط عمل إيراني متدرج: ضربات صاروخية مباشرة من جهة، وبناء شبكات استخبارية وتخريبية داخل دول الخليج من جهة أخرى. ويُنظر إلى هذا الأسلوب باعتباره محاولة لخلق أوراق ضغط متعددة المستويات، تسمح لطهران بتوسيع دائرة التأثير دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة شاملة.
الحدث يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى موقع قطر في منظومة الطاقة العالمية، إذ تُعد من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، فيما تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة عبر مضيق هرمز. وبالتالي فإن أي زعزعة أمنية في الدوحة لا تبقى شأناً محلياً، بل تنعكس على الأسواق العالمية وعلى تموضع الولايات المتحدة في المنطقة.
سياسياً، قد يضع الكشف عن الخلايا الإيرانية الدوحة أمام مراجعة مقاربتها التقليدية القائمة على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع طهران. أما إقليمياً، فقد يعزز الحادث منسوب التنسيق الأمني بين دول الخليج والولايات المتحدة، وربما يفتح المجال أمام تعميق التعاون الاستخباري مع إسرائيل في مواجهة ما يُنظر إليه كتمدّد إيراني مباشر داخل العمق الخليجي.
يمثل هذا الإعلان مؤشراً على انتقال النشاط الإيراني في الخليج من مستوى الردع الصاروخي العلني إلى العمل السري داخل الدول المستضيفة لقواعد أمريكية وبنى تحتية استراتيجية، بل كمؤشر على انتقال الصراع مع إيران إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل المواجهة العسكرية المباشرة مع حرب الظل داخل حدود دول المنطقة.
