

تحصل الحكومة المصرية على دعم مالي من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلا أن هذا الدعم يُصنف ضمن “الشراكة الاستراتيجية” الشاملة ولا يوجه بالكامل كـ “مخصصات” مباشرة عن كل لاجئ، بل يهدف لدعم الاقتصاد والخدمات العامة والأمن.
1. دعم الاتحاد الأوروبي (حزمة 7.4 مليار يورو)
في مارس 2024، وقعت مصر والاتحاد الأوروبي اتفاقية شراكة شاملة تمتد حتى عام 2027، وتتضمن:
- إدارة الهجرة: تم تخصيص 200 مليون يورو تحديداً لإدارة ملف الهجرة ومكافحة التهريب.
- منح إضافية: تشمل 600 مليون يورو كمنح، منها مبالغ مخصصة لتعزيز الرعاية الصحية والتعليم في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين.
- قروض ميسرة: حصلت مصر على مليار يورو كشريحة أولى في أبريل 2024، تلاها الموافقة على 4 مليارات يورو إضافية في عام 2025 لدعم الاستقرار الاقتصادي الكلي.
2. تمويل الأمم المتحدة (مفوضية اللاجئين)
مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) هي المسؤول الأول عن تقديم المساعدات المباشرة للاجئين، لكنها تواجه عجزاً تمويلياً حاداً:
- الميزانية السنوية: طلبت المفوضية حوالي 137.7 مليون دولار لعام 2025 لتغطية احتياجات اللاجئين في مصر.
- الفجوة التمويلية: حتى منتصف عام 2025، لم تحصل المفوضية إلا على نحو 29% فقط من التمويل المطلوب، مما دفعها لتقليل عدد العائلات المستفيدة من المعونات النقدية بدءاً من مايو 2025.
- نصيب الفرد: انخفض متوسط التمويل المتاح لكل لاجئ من 11 دولاراً شهرياً في 2022 إلى نحو 4 دولارات فقط في عام 2025.
3. الفارق بين المساعدات والتكلفة الفعلية
هناك فجوة كبيرة بين ما تتلقاه مصر وما تعلن أنها تنفقه:
- تقديرات الحكومة: صرح رئيس الوزراء المصري أن التكلفة المباشرة لاستضافة أكثر من 9 ملايين “ضيف” تتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً، تشمل استهلاك السلع المدعومة والضغط على البنية التحتية.
- طبيعة الدعم الدولي: أغلب الدعم الأوروبي يأتي في شكل قروض استثمارية يجب ردها، وليس منحاً مجانية لتغطية معيشة اللاجئين، مما يجعل العبء الأكبر يقع على الموازنة العامة للدولة.
لاتتجاوز إجمالي المنح المباشرة المخصصة حصرياً لملف “اللاجئين والهجرة” لا تتجاوز بضع مئات من ملايين اليورو، بينما المليارات الأخرى هي قروض لدعم الاقتصاد المصري ككل مقابل دور مصر كـ “صمام أمان” لمنع الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.
للأسف تتحمل الميزانية العامة للدولة المصرية الجزء الأكبر من التكلفة، وهو ما يفسر شعور الغضب والضيق للشعب المصري. فالعجز في التمويل الدولي لا يعني توقف الخدمات، بل يعني أن الدولة المصرية هي من تملأ هذا الفراغ من مواردها الخاصة.
1. المساهمة غير المباشرة (الدعم العيني)
هذا هو البند الأضخم الذي تتحمله ميزانية مصر؛ فالدولة لا تقدم رواتب نقدية للاجئين، لكنها تتيح لهم الوصول إلى السلع والخدمات بنفس أسعار المواطن المصري:
- السلع التموينية والخبز: يستهلك المقيمون الأجانب كميات ضخمة من الخبز والسلع المدعومة التي تشتريها الدولة بالعملة الصعبة وتبيعها بأسعار مدعومة داخل السوق المحلية.
- الطاقة والوقود: يستفيد الـ 9 ملايين من دعم الكهرباء والمواد البترولية، وهو عبء تتحمله الخزانة العامة مباشرة.
2. قطاع التعليم والصحة
تسمح مصر للسودانيين والسوريين تحديداً بالالتحاق بالمدارس الحكومية والمستشفيات العامة ومعاملتهم معاملة المصريين:
- عجز التمويل: المنظمات الدولية (مثل اليونيسيف أو مفوضية اللاجئين) تقدم منحاً لتطوير بعض المدارس أو توفير معدات طبية، لكن الرواتب الشهرية للمعلمين والأطباء، وتكاليف تشغيل المباني، والكتب المدرسية، كلها تخرج من موازنة وزارتي التربية والتعليم والصحة المصرية.
3. الضغط على البنية التحتية
مع وجود زيادة سكانية مفاجئة (حوالي 8.7% من السكان هم أجانب)، زاد الاستهلاك في:
- شبكات المياه والصرف الصحي.
- الطرق والمواصلات العامة.
هذه الضغوط تطلبت من الدولة زيادة مخصصات الصيانة والاستثمارات في البنية التحتية من ميزانية الدولة لمواجهة الطلب المتزايد، خاصة في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية.
تعتبر الحكومة المصرية أن هذا الإنفاق هو “فاتورة استقرار”؛ فبدلاً من وضعهم في مخيمات تتطلب إعاشة كاملة من المعونات الدولية (التي قد لا تأتي)، يتم دمجهم في المجتمع ليتحولوا إلى قوى استهلاكية وعاملة، مع المراهنة على أن تقنين أوضاعهم (رسوم الإقامة) سيساهم مستقبلاً في تغطية جزء من هذه التكاليف.
المساعدات الدولية تغطي فقط “الاحتياجات الطارئة” والعمليات الإدارية للمفوضية، أما تكلفة “المعيشة اليومية” والخدمات الأساسية للـ 9 ملايين، فتسددها مصر فعلياً من الضرائب والواردات العامة للدولة.
وتطبيقاً لسياسة “تخفيف العبء عن الموازنة العامة”، أقرت الحكومة المصرية عدة رسوم وضوابط جديدة (بدأ تطبيقها الفعلي وتصاعدت في 2025 و2026) تهدف إلى تحصيل تكلفة الخدمات بالعملة الصعبة أو بأسعار تقترب من التكلفة الحقيقية.
1. رسوم تقنين الأوضاع (الـ 1000 دولار)
- ألزمت الحكومة كل أجنبي يقيم بصفة غير شرعية بدفع رسم تصالح بقيمة 1000 دولار أمريكي (أو ما يعادلها بالعملات الحرة) لإثبات إقامته وتوفيق أوضاعه [1.1.1، 1.4.2].
- هذا المبلغ يذهب مباشرة لخزانة الدولة كتعويض عن فترة الإقامة غير الرسمية.
2. “بطاقة ضيف” ورسوم الخدمات الإدارية
- بموجب قانون اللجوء الجديد، يتم إصدار بطاقة هوية لكل لاجئ مسجل لدى اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين.
- تم فرض رسوم على استخراج هذه البطاقات وتجديدها سنويًا، ويُشترط دفع هذه الرسوم من خلال تحويل العملة الصعبة عبر البنوك الرسمية بسعر الصرف المعلن، لضمان دخول السيولة الدولارية للجهاز المصرفي [1.2.1، 1.3.3].
3. الخدمات التعليمية والصحية
- التعليم: رغم استمرار معاملة بعض الجنسيات (كالسودانيين والسوريين) معاملة المصريين، إلا أنه تم استحداث رسوم إضافية تحت مسمى “مساهمة في تطوير العملية التعليمية” للطلاب الوافدين، تُدفع سنوياً عند التسجيل في المدارس الحكومية.
- الصحة: تم البدء في تطبيق نظام رسوم مختلفة للأجانب في المستشفيات الحكومية لغير الحالات الطارئة، بحيث يدفع المقيم الأجنبي (غير الحامل لبطاقة لجوء رسمية) سعراً يقترب من السعر الاقتصادي للخدمة.
4. زيادة أسعار تذاكر المزارات والمواصلات
- تم تعميم نظام “سعر الأجنبي” في جميع المواقع الأثرية والمتاحف بأسعار مضاعفة عن المصريين وتُدفع بالدولار أو بالبطاقات الدولية.
- هناك مقترحات (طبقت في بعض خطوط القطارات الفاخرة) لفرض تسعيرة خاصة للأجانب المقيمين في وسائل النقل المتميزة.
5. الرقابة على العقارات (الإيجارات)
- ألزمت الحكومة أصحاب العقارات بضرورة إبلاغ أقسام الشرطة ببيانات أي مستأجر أجنبي وصورة إقامته.
- يتم تحصيل ضرائب عقارية وتأمينات أعلى على الشقق المستأجرة للأجانب، لضمان استفادة الدولة من الطفرة التي حدثت في أسعار الإيجارات بسبب كثرة الطلب.
6. الغرامات المشددة
- بدءاً من منتصف 2025، تم تفعيل غرامات مالية ضخمة على أي منشأة أو صاحب عمل يوظف أجنبياً دون “تصريح عمل رسمي” أو إقامة سارية، وقد تصل العقوبات إلى الترحيل الفوري للمخالف.
الهدف من هذه الرسوم: هو تحويل ملف اللاجئين من “عبء صرف” إلى “ملف منظم” يساهم في توفير العملة الصعبة للدولة ويغطي تكلفة استهلاكهم للخدمات المدعومة.
افتتحت أزمة السكن وزيادة الطلب فصلاً جديداً في اقتصاديات هذه المناطق، حيث تحولت “أكتوبر” و”فيصل” و”أسوان” إلى بؤر ساخنة تأثرت بشكل مباشر بالوجود الكثيف للوافدين والإجراءات الحكومية الأخيرة.
- تعتبر أسوان “محطة الانتظار” الأولى للسودانيين، مما خلق وضعاً استثنائياً:
- انفجار الإيجارات: شهدت أسوان قفزات غير مسبوقة في أسعار الإيجارات، خاصة في مناطق مثل “كيما” و”الصداقة الجديدة”. الشقق التي كانت تؤجر بـ 3000 جنيه، وصلت في ذروة التدفق إلى ما يتراوح بين 10 إلى 15 ألف جنيه.
- تجارة “الوساطة”: نشطت شبكات سماسرة متخصصة تستهدف الوافدين الجدد، مما دفع السكان المحليين (خاصة الشباب والمقبلين على الزواج) للشكوى من عدم قدرتهم على إيجاد سكن بأسعار تناسب دخولهم.
- الضغط على السلع: تأثرت أسعار الخضروات واللحوم في أسوان بسبب زيادة الطلب المفاجئة ووجود عمليات “شراء بالجملة” لشحن بعض السلع نحو الحدود السودانية.
2. أكتوبر وفيصل
- أكتوبر (مدينة السوريين والسودانيين): تحولت “أكتوبر” إلى مدينة استثمارية بامتياز. الإجراءات الجديدة التي تفرض دفع رسوم الإقامة والتعاملات بالدولار أدت إلى “دولرة” غير رسمية لبعض إيجارات المحلات التجارية، حيث يطلب بعض الملاك مبالغ مرتفعة تعويضاً عن الضرائب الجديدة التي فرضتها الدولة على تأجير الأجانب.
- فيصل والجيزة: تعاني هذه المناطق من “تكدس” سكني حاد. أدت القواعد الأمنية الجديدة (ضرورة إبلاغ الشرطة عن المستأجر) إلى حذر بعض الملاك، مما قلل العرض المتاح ورفع الأسعار أكثر.
- ظاهرة “الشقق المشتركة”: بسبب غلاء المعيشة وفرض رسوم الـ 1000 دولار، بدأت تظهر ظاهرة سكن أكثر من أسرة وافدة في شقة واحدة لتقاسم التكاليف، مما زاد من الضغط على مرافق الصرف الصحي والكهرباء في هذه الأحياء.
3. تأثير “رسوم التقنين” على السوق
- تراجع الطلب من الفئات الضعيفة: بعد إلزامية دفع الـ 1000 دولار والرسوم السنوية، بدأت بعض العائلات غير القادرة على الدفع بالانتقال من المدن الكبرى (أكتوبر والقاهرة) إلى أطراف المحافظات أو القرى حيث الإيجارات أرخص والرقابة الأمنية أقل حدة.
- انتعاش “الاستثمار الصغير”: في المقابل، ساهم وجود الوافدين في انتعاش حركة التجارة والمطاعم في هذه المناطق، مما رفع قيمة “المحلات التجارية” بشكل خيالي، حيث أصبح “الخلو” (مبلغ التنازل عن المحل) في فيصل وأكتوبر يُقدر بمئات الآلاف.
4. الاحتقان المجتمعي
تسبب هذا الغلاء في حالة من “الاحتقان الصامت” لدى الطبقة المتوسطة المصرية في هذه المناطق، حيث يشعر المواطن أن قدرته الشرائية للسكن تآكلت أمام “القدرة الشرائية للوافدين” الذين يعتمد بعضهم على تحويلات دولارية من الخارج أو مدخراتهم.
أصبحت أسوان والقاهرة والجيزة تعاني من “فقاعة عقارية” مدفوعة بطلب الوافدين، وتحاول الحكومة الآن عبر “الرسوم الجديدة” و”الضرائب العقارية” سحب جزء من هذه السيولة لصالح الدولة لمحاولة توازن السوق.
البعض يتحدث عن ان هناك جهات ما تدفع تمويل لجمعيات او افراد لتوطين الاجانب في مصر بشكل خفي وهذا النوع من الأحاديث ينتشر بقوة في فترات الأزمات الاقتصادية وتحت مسمى “نظريات المؤامرة” أو المخاوف الشعبية المشروعة، لكن من الناحية الواقعية والقانونية، الأمر يتلخص في عدة نقاط بعيداً عن الشائعات:
دور الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية
هناك بالفعل تمويلات تصل لجمعيات أهلية مصرية ودولية (مثل الهلال الأحمر، كاريتاس، ومنظمة الهجرة الدولية)، لكن هذه الأموال ليست للتوطين، بل هي “منح إغاثية” تشمل:
- مساعدات غذائية وطبية طارئة.
- دورات تدريب مهني لدمج الوافدين في سوق العمل (ليعولوا أنفسهم بدلاً من اعتمادهم على المعونات).
والى اللقاء في الحلقة الثالثة
