مراجعة جديدة لملف الإخوان في بريطانيا

تشهد الساحة السياسية البريطانية تصاعداً لافتاً في الجدل حول نشاط جماعة “الإخوان المسلمين” داخل المملكة المتحدة، في ظل مناخ سياسي يتسم بارتفاع الحساسية تجاه قضايا التطرف والأمن الداخلي. 

جاءت الشرارة الأخيرة لهذا النقاش على خلفية تصريحات مثيرة أطلقها زعيم حزب “ريفورم” نايجل فاراج، اتهم فيها الجماعة بالتغلغل العميق داخل مؤسسات حيوية في الدولة، من بينها الجامعات وقوات الشرطة، بل حتى بعض دوائر العمل السياسي المحلي والوطني. هذه التصريحات أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل محل أخذٍ وردٍّ لسنوات، لكنّه لم يبلغ هذا المستوى من الحدة في الطرح العلني من قبل شخصية سياسية بارزة.

بالنسبة إلى حزب “ريفورم”، فإنّ ملاحقة “الإخوان المسلمين” تمثل وعداً انتخابياً واضحاً في حال وصوله إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية المقبلة. وقال النائب والعضو المؤسس في الحزب ريتشارد تايس: إنّ حزبه لا يريد وجود الجماعة في المملكة المتحدة، ولا يرغب في رؤية أعضائها في الشوارع أو يفتحون حسابات مصرفية.

وأكد فاراج أنّ حديثه لا يستند إلى انطباعات شخصية أو حسابات انتخابية ضيقة، بل إلى معلومات أمنية قال إنّه تلقاها مباشرة من مسؤول رفيع داخل المنظومة الأمنية البريطانية. وبحسب ما أوردته صحيفة (ديلي إكسبريس)، فإنّ فاراج تحدث عن “مصادر استخباراتية رفيعة المستوى” أبلغته بأنّ الجماعة، المصنفة تنظيماً إرهابياً في عدد من الدول حول العالم، تمكنت من بناء شبكات نفوذ داخل بعض هياكل الدولة، خصوصاً في قطاع التعليم العالي، حيث يُزعم أنّها تستفيد من المساحات المفتوحة للنشاط الطلابي والفكري، وكذلك داخل أجهزة الشرطة، إضافة إلى دوائر سياسية يُعتقد أنّها تتقاطع معها في ملفات الهوية والاندماج والسياسات المجتمعية.

وتعزز هذه الاتهامات، بحسب مؤيدي فاراج، مخاوف متنامية لدى تيارات يمينية ومحافظة من أنّ بعض جماعات الإسلام السياسي تستثمر في العمل المجتمعي والمؤسساتي طويل الأمد لبناء حضور تدريجي داخل مفاصل الدولة، مستفيدة من البيئة القانونية التي تكفل حرية التنظيم والتعبير. 

يأتي ذلك بالتزامن مع تقارير سياسية وإعلامية تتحدث عن حضور واسع للجماعة أو لشخصيات محسوبة عليها داخل عدد من القطاعات الحيوية. ويستند هذا الطرح إلى جملة معطيات تتكرر في النقاش العام، تتعلق بطبيعة النشاط المؤسسي، والامتداد الشبكي، والعلاقات العابرة للحدود.

ويتركز نفوذ الإخوان في قطاع المجتمع المدني في ظل وجود جمعيات ومؤسسات خيرية ومراكز بحثية وشبكات ضغط تضم شخصيات قريبة فكرياً من “الإخوان”، وتعمل ضمن الإطار القانوني البريطاني، لكنّها تتبنّى خطاباً سياسياً متقاطعاً مع أدبيات الإسلام السياسي. ويُنظر إلى هذا الحضور بوصفه بنية دعم مجتمعي تمنح الجماعة مساحة للتأثير غير المباشر في النقاشات العامة المتعلقة بالهوية والدين والسياسات الخارجية.

ويتكرر الحديث في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي حول نشاط طلابي وفكري يروج لأفكار مرتبطة بالإسلام السياسي عبر اتحادات طلابية وندوات ومنصات حوار. ورغم أنّ هذا النشاط يتم في الغالب ضمن سقف حرية التعبير، فإنّ بعض التقارير الصحافية ربطته بمحاولات بناء كوادر شابة تتبنّى خطاباً إيديولوجياً منظماً، مستفيدة من البيئة الأكاديمية المفتوحة.

على المستوى السياسي، كونت الجماعة علاقات مع شخصيات عامة وفاعلين محليين، سواء عبر المشاركة في فعاليات عامة أو عبر قنوات الضغط السياسي، وهذا الحضور يهدف إلى كسب شرعية وتأثير في دوائر صنع القرار. وتُثار تساؤلات دورية حول مدى قدرة الدولة على التمييز بين النشاط السياسي المشروع وأيّ امتدادات تنظيمية عابرة للحدود.

رغم أنّ الحكومات البريطانية المتعاقبة أجرت أكثر من مراجعة رسمية لملف الجماعة منذ مطلع الألفية الثالثة، فإنّ أيّاً من تلك المراجعات لم تُفضِ إلى حظرها أو إدراجها في قائمة المنظمات الإرهابية. إلا أنّ تقارير صحافية حديثة تحدثت عن مراجعة جديدة تجريها لندن بشأن الجماعة، غير أنّ وزارة الداخلية البريطانية امتنعت عن تأكيد هذه الأنباء، مكتفية بالقول إنّها تراجع قائمة المنظمات المحظورة بصورة مستمرة، من دون التعليق على ما إذا كانت منظمة بعينها قيد الدراسة للحظر.

ولا يقتصر الجدل على “الإخوان” وحدهم، إذ يتسع النقاش في الأوساط السياسية ليشمل جماعات الإسلام السياسي عموماً. فقد حذّر النائب روبرت جينريك من أنّ قوات الشرطة باتت “تستسلم للإسلاميين” لصعوبة مواجهتهم، داعياً الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف ما وصفه بالتمدد، محذراً من مخاطر فقدان السيطرة على الشارع.

وأوردت صحيفة (فايننشال تايمز) أنّ نحو 70 طالباً في الجامعات البريطانية خلال العام الدراسي 2023-2024 أُحيلوا إلى برنامج الحكومة لمكافحة التطرف، من أصل نحو ثلاثة ملايين طالب في التعليم العالي. ورغم أنّ الرقم يبدو محدوداً نسبياً، فإنّه يقارب ضعف العدد المسجل في العام السابق، وهو ما أعاد النقاش حول فاعلية السياسات الحالية في مواجهة التطرف في ظل كثافة الأنشطة الإخوانية.

حفريات: حسن خليل صحفي مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *