تحولات الإسلام السياسي في الفضاء الرقمي بين الدعوة والتعبئة والتطرف

مثلّت وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي في ظل تطور الاتصالات الحديثة فرصة لقوى الإسلام السياسي بوصفها المجال الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي بين فئات عديدة وقوى اجتماعية متباينة، فضلاً عن إمكانية صياغة رأي عام تعبوي، وقد أضحت المنصات الاجتماعية أداة لإنتاج رموز مختلفة، سياسية ودينية وإيديولوجية، فضلاً عن بناء الهويات الانعزالية أو بالأحرى الجهادية، الأمر الذي يكشف عن إعادة توزيع السلطة الرمزية بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.

من ثم، برزت حركات الإسلام السياسي بمختلف أطيافها كأحد أبرز الفاعلين في هذا المجال الافتراضي والاستثمار فيه لإعادة تشكيل خطابها، وتوسيع دوائر نفوذها، وابتكار أساليب غير تقليدية للتجنيد والتأثير. وتحوّل الفضاء الرقمي إلى امتداد افتراضي لمجالات الاستهداف الحركي والتنظيمي والبحث عن حوامل إيديولوجية يمكن استهدافها وتعبئتها، إذ انتقلت منابر الدعوة والخطابة إلى قنوات وصفحات تم تدشينها عبر (يوتيوب، وفيسبوك، وإكس). وعليه، أضحى خطاب الإسلام السياسي قادراً على اختراق الحدود الجغرافية والرقابية التي كانت تحدّ من انتشاره في المجال العام التقليدي.

عبر هذا التحول تمكنت تلك الجماعات من تشكيل بنية تواصلية راكمتها في الفضاء الافتراضي وبيئة الاتصالات الحديثة الرقمية، وهي بيئة عابرة للحدود والثقافات بطبيعتها. وأسهمت هذه البيئة من خلال عدة خطابات تعبوية، لا سيّما خطاب المظلومية الذي انتشر في أعقاب حرب غزة، في إنتاج الجماعة المتخيلة التي تتشارك سرديات المظلومية والهوية الإسلامية، من خلال لغة يختلط فيها الديني بالسياسي والإيديولوجي لتأبيد حالة كفاحية وتبشيرية عنيفة، أو بالأحرى توليد عنف مقدّس.

وفي إطار تديين الفضاء الرقمي تمكنت حركات الإسلام السياسي من إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة والإعلام، وقد وفرت تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التي تحكم عمل المنصات أدوات غير مسبوقة في استهداف الأفراد والتأثير فيهم نفسياً وسلوكياً، وهو ما سمح بتكثيف عمليات التجنيد الرقمي وإعادة إنتاج التطرف في قوالب حديثة.

وتشكلت والحال كذلك ثقافة جهاد رقمي، الأمر الذي يؤشر إلى تحول الإسلام السياسي من مشروع إيديولوجي محلي إلى مشروع شبكي افتراضي لا يمكن تعقبه على نحو تقليدي، خصوصاً مع التحول البنيوي في عمل جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة في العصر الرقمي. فبعد أن كان النشاط الدعوي أو التعبوي يعتمد على الوسيط التقليدي (المسجد، المجلات، الجامعة، الحي، الكاسيت، الخطب مع الجمهور بشكل مباشر)، انتقلت تلك الحركات إلى فضاء شبكي مفتوح يتيح لها إعادة تعريف الجهاد ليس بوصفه فعلاً عسكرياً محصوراً في الجغرافيا، بل كعملية رمزية مستمرة هدفها إنتاج المعنى وتوجيه الإدراك الجمعي نحو تصور كفاحي وتدميري للعالم.

في هذا الإطار يصبح الجهاد الاتصالي أداة لإدارة المعنى وصناعة العدو أكثر منه ممارسة ميدانية، فتوظف هذه الجماعات تقنيات المنصات ذاتها من الخوارزميات إلى أدوات التحليل السلوكي لتحقيق أقصى أثر تعبوي، حيث تُنشئ بيئات مغلقة وانعزالية شبه طائفية على المنصات، يتم فيها تكريس “نحن” مقابل “هم”، وإعادة إنتاج العالم وفق ثنائية الإيمان والكفر أو المظلومية والانتصار. وتعمل هذه البيئات كـ غرف صدى” تكرس الانعزال المعرفي والشعوري، بينما تمنح المنتمين حالة زائفة بالقوة واليقين الجمعي، ممّا يسهل تحويل الإيمان بالفكرة إلى فعل جهادي أو سلوك عدائي تجاه الآخر.

وبحسب معهد واشنطن، أعلنت الجماعة المسلحة “حسم” الإرهابية المتحالفة مع الإخوان المسلمين” مسؤوليتها عن التفجير الذي استهدف سفارة ميانمار في القاهرة في 30 أيلول (سبتمبر) قبل أعوام، وتحديداً في أعقاب عزل محمد مرسي من الحكم من خلال نشاط دعوي عبر الفضاء الافتراضي. وفي حين لم يُصَبْ أحد بأذى، يشير الاعتداء إلى أنّ الجماعات الموالية لحركة “الإخوان المسلمينتنفذ تهديداتها السابقة بضرب المصالح الأجنبية وتحسّن قدراتها الإرهابية.

ويقول المعهد الأمريكي: “على سبيل المثال، إنّ الصفحة الإعلامية المعروفة باسم ق-Qaaf” التي تنشر باستمرار الهجمات التي تشنها مثل هذه الجماعات، غالباً ما تغدق الثناء على الشخصيات التاريخية في الإخوان. وفي تعليق نشرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي استشهدت بشعار الإخوان المسلمين عندما توجهت إلى القراء فكتبت “هل نسيتم أنّ الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا؟”… وقد رثت “حسم” المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف كـ “مجاهد” عندما توفي بعد أن أمضى أربع سنوات في السجن“.

ومن جهتها، كانت مختلف شخصيات ووسائل إعلام الإخوان تشجع على شنّ هجمات ضد مدنيين أجانب ومصريين لسنوات. وفي كانون الثاني (يناير) 2015 بثت شبكة تلفزيونية موالية للجماعة، مقرّها إسطنبول، بياناً يدعو الرعايا الأجانب والشركات الأجنبية والدبلوماسيين والسياح إلى مغادرة مصر أو مواجهة “العقاب الثوري”. وبعد فترة وجيزة أصدرت الهيئة الشرعية لـ “الإخوان المسلمينبياناً بعنوان “فقه المقاومة الشعبية للانقلاب”، الذي أيّد استخدام العنف ضد المسيحيين ومجموعة واسعة من “المتعاونين” مع الحكومة، وفق معهد واشنطن.

إذاً، من المنظور الاتصالي، فإنّ الجهاد الاتصالي لا يقوم على الرسالة وحدها، بل على البنية الشبكية التي تتيح الانتشار الأفقي للمعلومة، فيتحول كل عضو إلى نقطة ارتباط وتواصل متدفقة في شبكة دعوية عالمية. هذا التحول يتجاوز المنظور الكلاسيكي للدعاية الذي ركّز على الإرسال العمودي من سلطة إلى جمهور، نحو منطق تواصلي أفقي يعزز مشاركة المتلقين في إنتاج المحتوى ونشره، أي تحويل المتلقي إلى داعية رقمي ينقل عدوى التطرف بينما يُسهم في توسيع المدى الرمزي للحركة.

حفريات: كريم شفيق كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *