
في كتابه «الحرب التي شكّلت الشرق الأوسط» (2026)، يفند مصطفى أكصكال سردية «الرجل المريض»، عازياً انهيار الدولة العثمانية لقرارات سياسية وتدخلات إمبريالية. ورغم توثيقه تجويع العرب وقمعهم، يغفل التحليل المادي للصراع الطبقي وتصادم القوميات الناشئة مع بنية إمبراطورية عتيقة، محاولاً إنقاذ سُمعة نظام تآكلت شروط بقائه الاقتصادية والاجتماعية
في كتابه «الحرب التي شكّلت الشرق الأوسط: الحرب العالمية الأولى ونهاية الإمبراطورية العثمانية» (منشورات جامعة برينستون ـ 2026)، يقدم مصطفى أكصكال، أستاذ التاريخ في «جامعة جورج تاون» في واشنطن، محاولة تنقيحية جريئة، تسعى إلى قلب السرديات التقليدية التي وسمت الإمبراطورية العثمانية بلقب «رجل أوروبا المريض» المحتّم زواله.
يحاجج بامتلاك الإمبراطورية مقومات الحياة والاستمرار قبل اندلاع الشرارة الأولى للحرب العظمى، معتبراً أنّ الانهيار كان نتيجة خيارات سياسية فردية خاطئة وتدخلات إمبريالية غربية، لا حتمية تاريخية.
ينطلق أكصكال من فرضية مركزية ترى في الدولة العثمانية كياناً متعدد الأعراق والأديان، امتلك فرصاً حقيقية للبقاء والاستمرار، ويرى أنّ مصير المنطقة كان مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن الحاضر الممزق للشرق الأوسط، من كردستان إلى غزة، هو نتاج مباشر لتلك الحرب وللسياسات التي مورست خلالها، وليس نتاج ضعف جوهري في بنية الدولة ذاتها.
ولتدعيم وجهة نظره، يركّز على الحالة الاجتماعية والسياسية عشية عام 1914، مصوراً مجتمعاً يشهد حراكاً وتطوراً، إذ تمتعت الطوائف المختلفة، بمن فيهم المسيحيون واليهود، بحقوق وفرص متساوية نسبياً مستشهداً بقصة اليهوديين ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لـ «دولة إسرائيل»، وإسحاق بن تسفي، رئيسها الثاني، اللذين درسا القانون في إسطنبول وتطوعا في الجيش العثماني، كدليل على إمكانية «الاندماج» التي كانت متاحة للجميع.
يتفوق العمل في رصده للتحولات المادية والاقتصادية التي عصفت بالسكان خلال سنوات الحرب. إذ يبتعد عن ساحات المعارك التقليدية ليرسم صورة قاتمة للجبهة الداخلية. ويصف بدقة كيف أدت أوامر التجنيد الإلزامي (السفربرلك) إلى سحب مئات الآلاف من الفلاحين من حقولهم، ومصادرة الحيوانات لأغراض عسكرية، ما تسبّب في شلل القطاع الزراعي.
تزامن هذا الاستنزاف البشري والمادي مع كوارث طبيعية تمثلت في غزو الجراد، وحصار بحري خانق في البحر المتوسط، ما حوّل الإمبراطورية إلى «إمبراطورية جوع». ويربط أكصكال بين ندرة الموارد والقرارات السياسية، مبيناً كيف أدى نقص الغذاء في إسطنبول والأقاليم إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية.
رغم ثراء المادة التاريخية للكتاب، فإنه يقع في فخ المدرسة المثالية في التاريخ، التي تعطي وزناً مفرطاً لقرارات الأفراد والنخب السياسية بمعزل عن حركة التاريخ المادية. يصبّ جام غضبه على «جمعية الاتحاد والترقي»، وتحديداً الثلاثي الحاكم، أنور، وطلعت، وجمال، محمّلاً إياهم وزر الانهيار.
من منظور مادي ــ تاريخي، يُعد هذا التفسير قاصراً. إن التركيز على «خيارات» الاتحاديين وقراراتهم بالدخول في الحرب أو تبني سياسات قومية طورانية، يغفل حقيقة أنّ هؤلاء الأفراد كانوا في المحصلة تعبيراً عن مصالح طبقية محددة. لقد مثّل الاتحاديون البرجوازية الوطنية الصاعدة التي سعت إلى ترسيخ سوق وطنية موحدة، واصطدمت بالبنية الإقطاعية التقليدية للإمبراطورية وبالمصالح الإمبريالية الغربية في آن. إن تصوير الأمر كأنّه مجرد «سوء إدارة» أو «طموح متهور» يحجب التناقضات الهيكلية التي كانت تعتمل في أحشاء المجتمع العثماني.
المجازر ضد الأرمن وتجويع العرب في الشام، كانت تجليات صراع متداخل
يشير أكصكال أيضاً إلى أطماع القوى الإمبريالية الأوروبية – بريطانيا وفرنسا بشكل رئيس – عبر رفضهما التحالف مع العثمانيين، ثم التآمر لتقسيم التركة العثمانية. لكنه يتعامل مع تلك النزعة الإمبريالية كسياسة خارجية اختارتها لندن أو باريس، بينما هي في الواقع حتمية اقتصادية فرضتها طبيعة النظام الرأسمالي في مراكزه الغربية.
لقد كان تقسيم الشرق الأوسط وسرقة موارده (النفط، الممرات التجارية) ضرورة حيوية لاستمرار عجلة الإنتاج الرأسمالي في أوروبا، بغض النظر عن هوية الساسة الجالسين في وايتهول أو الكي دورسيه.
يضفي الكتاب مسحة رومانسية على «التعايش» العرقي والديني قبل الحرب، معتبراً إياه دليلاً على حيوية الدولة، ومتغافلاً عن الطبيعة الطبقية لذلك المجتمع. إن الهدوء النسبي بين الطوائف كان يخفي تحته دائماً استغلالاً طبقياً وحشياً مارسه كبار ملاك الأراضي (الأعيان) ضد الفلاحين المسحوقين، سواء كانوا أتراكاً أو عرباً أو أرمن.
صراع طبقي وقومي متداخل
وعندما اندلعت الحرب، وتحولت الدولة إلى القومية التركية الصرفة، كان ذلك استجابة لأزمة النظام نفسه وحاجته إلى أيديولوجيا جديدة تضمن تماسك الطبقة الحاكمة. إن المجازر التي ارتكبت ضد الأرمن، ويسمّيها الكتاب «إمبراطورية الفظائع»، وتجويع العرب في الشام، كانت تجليات عنيفة لصراع طبقي وقومي متداخل، حيث سعت البرجوازية التركية الناشئة إلى تصفية المنافسين الاقتصاديين (البرجوازية الأرمنية واليونانية) والاستيلاء على ثرواتهم تحت غطاء الحرب.
يأسف أكصكال لضياع فرصة استمرار الإمبراطورية العثمانية ككيان «متعدد الأعراق»، مغفلاً واقع أنّ الإمبراطوريات الزراعية القديمة كانت دائماً محكومة بالتفكك أمام صعود الدولة القومية الحديثة، التي تمثل الإطار السياسي الأنسب لنمط الإنتاج الرأسمالي.
لقد كان تفكك الإمبراطورية وسقوط آل عثمان، شأنهم شأن آل رومانوف في روسيا وآل هابسبورغ في النمسا، نتيجةً حتمية لتصادم أنماط إنتاج عتيقة مع قوى الرأسمالية الصناعية الصاعدة. ولذلك، فإنّ محاولة «إنقاذ» سمعة الإمبراطورية قبل الحرب تبدو سعياً يائساً إلى التمسك بأطلال نظام بائد تجاوزه الزمن الاقتصادي.
إن مجمل التحليل في الكتاب يظل أسير المنهجية الليبرالية التي ترى التاريخ كسلسلة من «الفرص الضائعة» و«الخيارات السياسية الخاطئة». لكن قراءة مادية تظهر أنّ ما حدث في الشرق الأوسط حينئذ كان عملية إعادة هيكلة عنيفة فرضتها ضرورات النظام الرأسمالي العالمي وتناقضاته. لقد ماتت الدولة العثمانية لأنّ شروط بقائها المادية قد انتفت، ولأن القوى الاجتماعية الجديدة (القوميات الصاعدة، البرجوازية، الطبقة العاملة الجنينية) كانت بحاجة إلى أشكال سياسية جديدة للتعبير عن مصالحها المتصارعة.
ومع ذلك، يُعد «الحرب التي شكلت الشرق الأوسط» إضافة نوعية للمكتبة التاريخية، ومرجعاً مهماً للبيانات والتفاصيل، بخاصة في توثيقه الدقيق للمعاناة البشرية والاقتصادية (المجاعة، الجراد، التجنيد). ينجح في تسليط الضوء على مسرح منسي للحرب العظمى. لكنه يحتاج إلى قراءة نقدية تعيد وضع الأحداث في سياقها، بعيداً من رثاء الإمبراطوريات البائدة، والتحسّر على ماضٍ متخيل.
