“حزب التحرير الإسلامي”: من وهم الخلافة إلى طوفان الأقصى

ظهر العديد من الفتاوى التي أطلقتها مؤسسات تابعة للتنظيم الدولي للإخوان تدعو إلى الخروج على شرعية الدولة تحت دعوى الجهاد في فلسطين؛ من بين تلك المنظمات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومنها أيضًا حزب التحرير، الذي أطلقت فروعه في العديد من الدول فتاوى تدعم الجهاد في فلسطين دون التقيد بقوانين الدول التي ينتمي إليها أعضاء الحزب. ومنها الفتوى التي أصدرها حزب التحرير ولاية مصر، وتُعتبر تلك الفتوى أحدث أنشطة الحزب الذي غاب عن المشهد لعقود منذ ظهوره للمرة الأولى في القاهرة في سبعينيات القرن الماضي.

نشطت المجموعات الجهادية في القاهرة في السبعينيات من القرن الماضي على خلفية إعدام سيد قطب المُنظّر العالمي للتنظيمات الإسلاموية؛ وتأسست بعضها عام 1966، وضمت من بين أعضائها العديد من الأسماء التي برزت في العمل الجهادي لاحقًا، أبرزها أيمن الظواهري الأمير السابق للقاعدة. وتمددت المجموعات الجهادية حتى حاولت إحداها تنفيذ انقلاب عسكري بالسيطرة على الكلية الفنية العسكرية في القاهرة عام 1974، ومن ثمّ السيطرة على الأسلحة والذخائر داخل الكلية لاستخدامها في المعركة المرتقبة مع النظام الحاكم. لكن سريعًا ما فشلت المحاولة وقبض على قادة التنظيم: صالح سرية، وكارم الأناضولي، وطلال الأنصاري. وكتب محللون عن العلاقات الوثيقة التي جمعت تنظيم الإخوان بصالح سرية وتدخل زينب الغزالي لدعم التنظيم، لكنّ الغالبية تجاهلت الاسم الحقيقي للتنظيم، “حزب التحرير ـ ولاية مصر”. 

تقي الدين النبهاني وتأسيس حزب التحرير

تأسس حزب التحرير الإسلامي في القدس في الخمسينيات من القرن الماضي، أسّسه الشيخ تقي الدين النبهاني متبعًا نهجًا واحدًا في العالم لا يتغير، وهو العمل من أجل عودة دولة الخلافة الإٍسلامية، معتبرًا أنّ عودة الخلافة هي الحل لجميع أزمات العالم الإسلامي، وأنّ كل ما دون الخلافة ليس بالقدر المهم الذي يستحقه العمل من أجل عودة الخلافة، حتى وإن كانت القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي. 

اختفى اسم حزب التحرير عن المشهد المصري حتى ظهر مرة أخرى عقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، عندما قبضت الشرطة المصرية على العشرات بتهمة الانضمام للحزب والتواصل مع تنظيم القاعدة، اللافت في الأسماء المقبوض عليها وجود شخصيات غير مصرية حملت الجنسية البريطانية.

حزب التحرير بريطانيا HT Britain

تأسس حزب التحرير في بريطانيا في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين بقيادة فلسطيني. وفي عام 1986 تولى عمر بكري محمد، المولود في سوريا، قيادة المجموعة الصغيرة جدًا آنذاك وقادها حتى عام 1996، وهو الوقت الذي بدأت فيه المجموعة في إحداث تأثير. 

بدأ حزب التحرير في تجنيد أعضائه من المسلمين القادمين من دول كان الحزب محظورًا فيها، والذين كانوا يقيمون مؤقتًا في المملكة المتحدة. بعد عام 1993 وسّع الحزب نطاق أهدافه في التجنيد ليشمل المهاجرين المسلمين من الجيل الثاني.

بحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي أصبح حزب التحرير “عضوًا ثابتًا في حرم الجامعات، يُنظّم الجمعيات والمناظرات. وكان خطابه شرسًا وغاضبًا”. وبحسب ما ذكره أحد زعماء حزب التحرير السابقين، ماجد نواز، فقد تم تشجيع بعض الأعضاء الشباب على الانخراط في أعمال انتقامية ضد غير المسلمين والنساء المسلمات العلمانيات:

“شجعنا عمر بكري على العمل كعصابات شوارع، وقد فعلنا ذلك، جبنا شوارع لندن، وحاربنا السيخ الهنود في الغرب والمسيحيين الأفارقة في الشرق. أرهبنا النساء المسلمات حتى ارتدين الحجاب، وظننا أننا لا نُقهر”.

في عام 2005 كانت استراتيجية حزب التحرير بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) تتمثل في زيادة نشاطه داخل المجتمعات المسلمة البريطانية، والتواصل مع غير المسلمين وتحذيرهم من أنّ “مبادئ الثقافة الغربية لا تحلّ مشاكل المجتمع” الذي “يغرق في الجريمة والفساد”.

خلال هذه الفترة أرسل أعضاء حزب التحرير العديد من المراسلات إلى الصحف وهيئة تنظيم الاتصالات (أوفكوم) “الهيئة التنظيمية الوطنية لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة”. وكانت هذه المراسلات تطلب عادةً تصحيح مقالات أو بيانات تُشكك في ارتباط الحزب بالعنف أو الإرهاب، وتؤكد أنّ عمله “فكري وسياسي، ويعتبر الحزب العنف أو الكفاح المسلح ضد النظام مخالفًا للشريعة الإسلامية”.

من التطرف إلى العمل السياسي

بحلول عام 2003 حسّن الحزب صورته العامة في المملكة المتحدة مقارنةً بسنواته الأولى في التسعينيات، حيث وُصف، على سبيل المثال، بأنّه “حزب سياسي إسلامي” بدلًا من جماعة “الأصوليين المسلمين” أو”المتطرفين الإسلاميين”. وعارضت منظمات إسلامية بريطانية، من مختلف الانتماءات الاجتماعية والسياسية والثقافية، خطط حظر حزب التحرير، وتساءل أحد معارضي الحظر عمّا إذا كان حظر الحزب يعني أنّ “التعبير عن الدعم للأشخاص الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكري الوحشي” معرّض لخطر “الحظر”.

من بين القضايا التي انخرط فيها الحزب كانت قضية الحجاب بالنسبة إلى النساء. نظّم الحزب مظاهرة للنساء المحجبات بالكامل أمام السفارة الفرنسية في لندن احتجاجًا على قانون فرنسا الصادر في آذار (مارس) 2004 والذي يحظر ارتداء الرموز الدينية في المدارس الحكومية.

في عام 2005 رفعت شابينا بيجوم، وهي طالبة من لوتون، دعوى قضائية ضد مدرستها بشأن حقها في ارتداء الجلباب بدلًا من الزي المدرسي (شالوار قميص). اتهم نواب حزب العمال المحليون شقيقها الأكبر (شوباب رحمن) بدعم حزب التحرير والتخطيط للقضية.

وصرّح المتحدث الإعلامي باسم HTB عمران وحيد لصحيفة (صنداي تايمز): “لقد نصح أعضاؤنا في لوتون شابينا وعائلتها باستمرار بالدفاع عن حقها في التعليم وحقها في مراعاة الشعائر الإسلامية، بما في ذلك ارتداء الجلباب”.

وقد تمّت دعوة بيجوم أيضًا للتحدث في مؤتمر HTB، وتم توزيع بريد إلكتروني داخلي من HTB على جميع المتحدثات قبل الحدث بعنوان خطابها، “كفاحي للحفاظ على هويتي مع حظر الجلباب”.

تفجيرات لندن ومطاردة الجماعات المتطرفة

أثارت عدة هجمات إرهابية ومحاولات هجومية بين عامي 2004 و2007 – ولا سيّما تفجيرات لندن في 7 تموز (يوليو) 2005 التي أودت بحياة أكثر من 50 مدنيًا ـ أثارت قلق الحكومة والإعلام والجمهور بشأن الإسلاموية في بريطانيا. وممّا لفت الانتباه بشكل خاص إلى حزب التحرير رحيل كبار الأعضاء والمذكرات النقدية للمنشقين (الإسلامي لإد حسين، الراديكالي لماجد نواز، “لماذا تركت حزب التحرير” لأم مصطفى)، ومقال تعليق استفزازي في صحيفة (الغارديان) بقلم أحد نشطاء حزب التحرير. بعد شهر من تفجير 7 تموز (يوليو) أعلنت الحكومة عن نيتها حظر حزب التحرير في بريطانيا.

بين أواخر عام 2005 وأوائل عام 2006، قام الحزب بإزالة أكثر من (200) منشور من موقعه على الإنترنت، ولم يتبقَّ منه سوى حوالي (30) منشورًا. وأوضح زعيم حزب التحرير في تاميل نادو عبد الواحد أنّ قرار إزالة بعض أدبياتنا الأجنبية من موقعنا البريطاني كان بمثابة استجابة مدروسة للاقتراح المشروع بأنّ الأشخاص الذين يقرؤونها خارج سياقها قد يعتبرونها مسيئة.

لاحقًا حظرت الحكومة البريطانية حزب التحرير عام 2024 على خلفية منشورات معادية للسامية، بحسب وصف بريطانيا، مجّد فيها حزب التحرير أحداث “طوفان الأقصى”، وأطلق لفظة مجاهدين على أنصار حركة حماس. 

موقع حفريات: سامح فايز

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *