أمريكا مازالت مترددة في مهاجمة إيران

منذ أواخر ديسمبر 2025 وحتى اليوم، تشهد إيران أوسع موجة احتجاجات على مستوى البلاد، منذ انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022. هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات، التي بدأت كرد فعل على الانهيار المفاجئ للعملة الوطنية والتضخم الجامح، سرعان ما اتخذت طابعًا سياسيًا، حيث طالب المتظاهرون في عشرات المدن بتغييرات جذرية في هيكل النظام.

ردًا على ذلك، منعت الحكومة الإيرانية انتشار أخبار وصور القمع بقطع الإنترنت وشبكات الاتصالات بشكل شبه كامل منذ 8 يناير 2026. ما أغرق البلاد في ظلام معلوماتي، وجعل توثيق الأحداث بشكل مستقل أمرًا بالغ الصعوبة. لكن السلطات بررت ذلك في إطار أمني لحماية البلاد من التدخل الخارجي الذي يحرك قادة التظاهرات ومثيري أعمال الشعب، وصوبت أصابع الاتهام صراحةً تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.

حسب تقرير مهدي نخل أحمدي، في راديو زمانه، الأربعاء 14 يناير 2026، فإن إيران لطالما شكلت مصدر قلق بالغ للسياسة الخارجية الأمريكية لعقود، وتُعتبر العدو اللدود لواشنطن في الشرق الأوسط. إلا أن نهج الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه إيران تباين. فعلى سبيل المثال، خلال احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، تجنبت إدارة باراك أوباما عمدًا أي دعم علني للمتظاهرين أو أي تدخل عسكري.

في المقابل، وضع دونالد ترامب إيران على رأس قائمة تهديداته؛ فخلال ولايته الأولى، انتهج سياسة “الضغط الأقصى” على طهران بالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، وفرض عقوبات قاسية. وقد أظهر اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، بأوامر من ترامب عام 2020، استعداد الولايات المتحدة لمواجهة مباشرة تحت قيادته.

واستمر هذا النهج العدائي أيضًا في رئاسة ترامب الجديدة (من عام 2025 فصاعدًا)، فقد شنّ سلاح الجو الأمريكي في يونيو 2025 هجومًا على بعض المنشآت النووية الإيرانية بقاذفات الشبح. ومع تصاعد الاحتجاجات في شتاء عام 2025، أعلنت إدارة ترامب دعمها العلني للمتظاهرين الإيرانيين، وحذرت الحكومة الإيرانية مرارًا وتكرارًا من أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي في حال وقوع مجازر واسعة النطاق.

تحقيقًا لتهديدات ترامب، درس المسؤولون الأمريكيون مجموعة من الإجراءات، بدءًا من الضربات العسكرية الدقيقة واستخدام أسلحة إلكترونية سرية، وصولًا إلى تشديد العقوبات وتقديم الدعم عبر الإنترنت للجهات المعارضة للحكومة. فعلى سبيل المثال، قال ترامب إنه يتشاور مع رئيس شركة سبيس إكس لتوفير خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك” في إيران، بهدف كسر الرقابة الحكومية على الإنترنت.

مع ذلك، لا تزال إمكانية قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري مفتوح ضد إيران موضع تساؤل وجدل في واشنطن. ففي الساحة السياسية الأمريكية، يرى بعض الجمهوريين المتشددين أن انهيار النظام الإيراني بات وشيكًا، ويدعون إلى رد عنيف لتسريعه. في المقابل، حتى في المعسكر المحافظ، يحذر فصيل يقوده شخصيات مثل تاكر كارلسون من أن التدخل العسكري في إيران قد يؤدي إلى مستنقع مماثل لما حدث في العراق وأفغانستان. كما عارضت شخصيات عديدة في الحزب الديمقراطي بشدة الدخول في صراع جديد دون تفويض من الكونجرس.

وهناك أيضًا قيود من الناحية العسكرية؛ فعلى سبيل المثال، تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة لا تملك حاليًا أي حاملات طائرات متمركزة في الخليج العربي أو حتى في أوروبا، وسيتعين عليها نقل قواتها من أماكن أبعد في حال تنفيذ أي عملية واسعة النطاق. كل هذه الاعتبارات دفعت الخبراء إلى اعتبار احتمالية قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري متسرع وواسع النطاق ضئيلة، ما لم تُفضِ التطورات في إيران إلى سيناريوهات أكثر تطرفًا، مثل إبادة المتظاهرين أو سعي الحكومة الإيرانية نحو امتلاك أسلحة نووية.

إذا قررت الولايات المتحدة التدخل، فإن الخيار الأرجح هو تدخل محدود وموضعي بدلًا من غزو شامل. ويقول المحللون إن الضربة العسكرية الأمريكية المحتملة ستُصمم على الأرجح كـ”ضربة جراحية” لتوجيه ضربة قاصمة لآلة قمع النظام مع تجنب حرب شاملة. فعلى سبيل المثال، قد تكون أهداف هذا الهجوم مراكز قيادة الحرس الثوري أو مراكز الاحتجاز التي لعبت دورًا في القمع الدموي للاحتجاجات. وقد تشمل العملية ضربات عسكرية.

قد تشمل هذه الإجراءات شنّ غارات جوية أو إطلاق صواريخ على قواعد أمريكية إقليمية، بالإضافة إلى عمليات إلكترونية لتعطيل أنظمة الاتصالات التابعة لقوات الأمن الإيرانية. من المتوقع أن يكون الأثر قصير المدى لمثل هذه الضربة المحدودة هو إضعاف معنويات القوات القمعية وتشجيع المتظاهرين.

لكن في الوقت نفسه، ثمة مخاطر جسيمة، فقد ترد إيران بإطلاق صواريخ على قواعد أمريكية في المنطقة أو بتحركات محتملة لقواتها الوكيلة. وإذا هاجمت إيران الأراضي الإسرائيلية خلال هذا التوتر، فستتورط تل أبيب أيضًا، وقد يتصاعد الصراع إلى حرب إقليمية. علاوة على ذلك، قد يعزز أي هجوم أجنبي الرواية الحكومية المعتادة بأن الاحتجاجات “أعداء مكتسبون”، ويؤدي إلى حشد شريحة من المجتمع لصالح الحكومة. لهذه الأسباب، يُعتبر التدخل العسكري المباشر محفوفًا بالمخاطر بالنسبة للولايات المتحدة.

تستند استراتيجية الردع الشاملة لدى إيران على توسيع نطاق المواجهة وتحويل أي ضربة ضدها إلى أزمة إقليمية مفتوحة الكلفة، فهي دائمًا تهدد بأخذ المنطقة رهينة في حال تعرضها لهجوم عسكري من الولايات المتحدة. ويندرج الخطاب الإيراني في هذا السياق ضمن ما يُعرف بـردع التشابك، أي ربط أمن الخصم بأمن شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية. فطهران تدرك أنها لا تستطيع خوض حرب تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها في المقابل تملك قدرة عالية على تعطيل الاستقرار الإقليمي عبر أدوات غير مباشرة.

وتشمل هذه الأدوات، التهديد بإغلاق أو تعطيل الممرات البحرية الحيوية، وتحريك ساحات إقليمية متعددة في توقيت متزامن، ورفع كلفة الطاقة والتجارة العالمية، وخلق حالة عدم يقين أمني تطال حلفاء واشنطن. وبهذا المعنى، تصبح “المنطقة” بكل مكوناتها الاقتصادية والأمنية أشبه بـرهينة استراتيجية، أي أن أي هجوم على إيران لن يبقى محصورًا في جغرافيا محددة، بل سينعكس فورًا على الأسواق والملاحة والأمن الإقليمي.

هذا الخطاب يخاطب بالدرجة الأولى صانع القرار الأمريكي الذي سيواجه كلفة اختياراته. فإيران تسعى إلى ترسيخ معادلة مفادها أن الضربة العسكرية، حتى لو كانت محدودة، ستؤدي إلى نتائج لا يمكن التحكم بها، ما يجعل خيار الهجوم أقل جاذبية مقارنة بخيارات الاحتواء أو الضغط السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *