
بعد الضربات العسكرية الأميركية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تحوّل التركيز إلى ثروة البلاد غير المستغلة من المعادن الأرضية النادرة، بوصفها موردًا يقع في صلب التنافس العالمي وسط حالة من الاضطراب الداخلي.
تزخر فنزويلا برواسب محتملة هائلة من العناصر الأرضية النادرة، وهي مجموعة تضم 17 معدنًا أساسيًا تدخل في صناعات متعددة، بدءًا من السيارات الكهربائية وصولًا إلى أنظمة الدفاع. وتشير تقديرات شركة التحليلات The Kobeissi Letter إلى أن قيمة هذه الاحتياطيات قد تتجاوز 200 مليار دولار، وتتركز في منطقة غويانا شيلد وقوس التعدين في أورينوكو، وهي مساحة تمتد على نحو 112 ألف كيلومتر مربع في جنوب البلاد، وتُعد غنية بالكولتان والثوريوم والكاسيتريت والنيكل والروديوم والتيتانيوم. وفي عام 2023، أعلنت كاراكاس هذه الموارد «استراتيجية» في مسعى لجذب الاستثمارات وسط الانهيار الاقتصادي.
وكشفت نشرة صادرة عن وزارة التعدين عام 2018، وموجّهة للمستثمرين، عن احتياطيات من الفحم تُقدّر بنحو 3 مليارات طن متري، واحتياطيات من النيكل بنحو 408 آلاف طن متري. كما أشارت إلى وجود احتياطيات من الذهب تُقدّر بنحو 644 مليون طن متري، وخام الحديد بنحو 14.68 مليار طن متري (وهذه تقديرات تخمينية)، إضافة إلى البوكسيت بنحو 321.5 مليون طن متري.
وفي عام 2021، نشرت السلطات خريطة استنادًا إلى مسوحات أُجريت عام 2009، حدّدت مواقع الأنتيمون والنحاس والنيكل والكولتان والموليبدينوم والمغنيسيوم والفضة والزنك والتيتانيوم والتنغستن واليورانيوم، من دون تحديد كمياتها.
ورغم هذه الإمكانات، لا يزال مستوى الإنتاج محدودًا للغاية. وتُظهر بيانات رسمية صادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في عام 2025 غياب فنزويلا عن قوائم الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة، في وقت تهيمن فيه الصين على السوق بنسبة 70% من الإنتاج. وبدلًا من ذلك، غالبًا ما يجري استخراج المعادن في فنزويلا بطرق غير قانونية، وتسيطر عليه جماعات مسلحة، من بينها جيش التحرير الوطني الكولومبي (ELN) ومنشقّي القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، ولا سيما في ولاية بوليفار وعلى امتداد نهر أورينوكو، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
كانت الصادرات في عام 2023، وهو أحدث عام تتوافر عنه بيانات من مرصد Observatory of Economic Complexity، محدودة للغاية. إذ بلغ إجمالي تجارة فنزويلا في المواد الكيميائية غير العضوية 43.1 مليون دولار في ذلك العام، وتوجّهت في الأساس إلى بلجيكا والبرازيل والولايات المتحدة، من دون تصنيف أي منها ضمن العناصر الأرضية النادرة.
على الصعيد العالمي، شملت أكبر الدول المستوردة للعناصر الأرضية النادرة في عام 2024 الولايات المتحدة، التي حصلت على 70% من وارداتها من الصين، وفقًا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية. ولا توجد بيانات رئيسية تربط رسميًا العناصر الأرضية النادرة الفنزويلية بهؤلاء المستوردين، في حين يُرجّح مساهمة التدفقات غير المشروعة في ترسيخ هيمنة الصين على المعالجة، إذ تتولى أكثر من 90% من عمليات التكرير عالميًا.
تتسم العلاقات بين الصين وفنزويلا بعمقها، إذ تضع بكين أمن الطاقة في صدارة أولوياتها، وهو ما انعكس في برامج واسعة النطاق للقروض مقابل النفط، ضخت تمويلات كبيرة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، وفقًا لتقارير إعلامية متعددة.
وبلغت استثمارات الملكية المباشرة التي نفذتها شركات صينية—مدعومة في معظمها من الدولة—نحو 4.8 مليار دولار على مدار العقدين الماضيين، بحسب بيانات Rhodium Group، مع التركيز على أصول النفط في مرحلة المنبع.
كما امتدت هذه المصالح لتشمل قطاع المعادن في إطار ترتيبات تعاون أوسع، بما في ذلك مشاركات في استخراج الذهب والكولتان، بحسب ما ورد.
شكّلت الضربات الأميركية التي نُفذت الأسبوع الماضي، والمعروفة باسم «عملية العزم المطلق»، الحدث الأبرز الذي أعاد تسليط الضوء على ثروة فنزويلا المعدنية. إذ شنّت القوات الأميركية غارات على أهداف عسكرية في كاراكاس، وألقت القبض على مادورو وزوجته سيليا فلوريس بتهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، وبصلات مع عصابات مثل «كارتل الشمس». وأعلن الرئيس دونالد ترامب العملية في إطار الحرب على المخدرات، غير أن خبراء أشاروا إلى دوافع أخرى مرتبطة بالموارد. وأسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 40 فنزويليًا، ما أثار موجة احتجاجات واستنكار دولي من الأمم المتحدة وروسيا والصين.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، عقب الهجمات: «يجب حماية الحقوق والمصالح المشروعة للصين والدول الأخرى في فنزويلا».
من جانبها، أدانت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز الهجمات ووصفتها بـ «اختطاف إمبريالي»، في حين دعت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو إلى إجراء انتخابات.
فوربس
