
تمثل ضمانات أمن أوكرانيا جوهر الصراع الدبلوماسي الدائر اليوم بين كييف وحلفائها الغربيين، في وقت تتسارع فيه مفاوضات السلام مع روسيا. فبالنسبة لأوكرانيا، لا معنى لأي اتفاق ينهي الحرب ما لم يتضمن التزامات واضحة تحميها من تكرار الغزو الروسي.
وتؤكد ضمانات أمن أوكرانيا، كما تطرحها كييف، أنها ليست مطلبًا سياسيًا تكتيكيًا، بل خلاصة تجربة تاريخية مريرة مع تعهدات دولية لم تصمد أمام اختبار القوة، لذلك تحولت هذه الضمانات إلى الشرط الأول في أي نقاش حول إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
أوضحت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، السبت 3 يناير 2026، أن إصرار كييف على ضمانات أمنية صارمة يعود إلى تجربة مذكرة بودابست عام 1994، التي وقّعتها أوكرانيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وبموجبها تخلت عن ترسانة نووية ضخمة مقابل “ضمانات أمنية” من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا.
لكن تلك المذكرة، كما أشارت نيويورك تايمز، لم تتضمن أي التزام عسكري صريح، ومع غياب آلية تنفيذ واضحة، انهارت الضمانات عند أول اختبار حقيقي، حين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم أطلقت غزوها الشامل عام 2022. وهو ما يساعد في تفسير سبب رغبة المسؤولين الأوكرانيين الآن في الحصول على ضمانات محددة بوضوح وملزمة قانونًا قبل الموافقة على إنهاء الحرب.
منذ بداية مفاوضات السلام، شدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن بلاده “لن تلقي أسلحتها دون ضمانات قوية”، وهذا الموقف لم يتغير رغم الضغوط، بل تعزز مع كل جولة تفاوض جديدة مع الولايات المتحدة. وكتب زيلينسكي على وسائل التواصل الاجتماعي عقب محادثات كييف الأخيرة أن “مناقشاتنا تمضي قدماً”، مؤكدًا أن أي اتفاق يجب أن يكون “فعالاً وكريماً ومؤدياً إلى إرساء السلام لعقود”، في إشارة واضحة إلى طبيعة ضمانات أمن أوكرانيا المطلوبة.
أظهرت الجولة الأخيرة من المحادثات بين كييف وواشنطن تقاربًا غير مسبوق، حيث عمل الجانبان على مسودة أولية لاتفاق سلام. إلا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أوضحت أن أوروبا ستتحمل العبء الرئيسي في ضمان أمن أوكرانيا. وبحسب نيويورك تايمز، شارك مستشارون أوروبيون للأمن القومي في اجتماعات كييف، فيما انضم المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، عن بُعد لمناقشة مستقبل الاقتصاد الأوكراني. لكن هذه التحركات لم تجب بعد عن السؤال الأهم: من سيدافع فعليًا عن أوكرانيا إذا هاجمتها روسيا مجددًا؟
جاء في مسودة حديثة لخطة السلام أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والدول الأوروبية ستقدم لأوكرانيا ما يسمى بضمانات شبيهة بالمادة 5، في إشارة إلى بند الدفاع المشترك لحلف الناتو، والذي يلزم أعضاءه بتقديم المساعدة لبعضهم البعض في حالة وقوع هجوم.
وتشمل الأحكام الواردة في المسودة أيضًا الحفاظ على قوة الجيش الأوكراني عند مستوى 800 ألف جندي في وقت السلم، بتمويل من الشركاء الغربيين، والعضوية في الاتحاد الأوروبي، التي تعتبرها أوكرانيا رادعًا لروسيا، والدعم العسكري الأوروبي، واتفاقية أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة، يصوت عليها الكونجرس.
أوضح زيلينسكي أن الضمانات الأوروبية ستأتي عبر “تحالف الراغبين”، وهو تكتل يضم نحو 30 دولة تعهدت بتعزيز أمن أوكرانيا بعد الحرب. وقد أبدت بعض هذه الدول استعدادها لنشر قوات على الأراضي الأوكرانية. ولكن نيويورك تايمز أشارت إلى أن هذه الاستعدادات لا تزال سياسية أكثر منها عسكرية، إذ لم تُحسم بعد تفاصيل حجم القوات أو قواعد الاشتباك أو مدة الانتشار، وهي أسئلة جوهرية تجعل ضمانات أمن أوكرانيا مسألة شائكة ومعقدة.
رغم الحديث عن اتفاقية أمنية ثنائية بين واشنطن وكييف، لم يتم التوصل إلى صيغة نهائية. وقد لمح ترامب بوضوح إلى أنه لا يعتزم إرسال قوات أمريكية إلى أوكرانيا، ما يحد من سقف التوقعات الأوكرانية. وقال زيلينسكي إن ترامب عرض ضمانات لمدة 15 عامًا، بينما تصر كييف على أن تمتد هذه الالتزامات “لعقود”. ويعكس هذا الخلاف فجوة في الرؤية بين الطرفين حول طبيعة ضمانات أمن أوكرانيا واستدامتها.
في المقابل، رفض الكرملين بشكل قاطع أي وجود عسكري غربي في أوكرانيا، معتبرًا ذلك تهديدًا مباشرًا للأمن الروسي. ولم تُبدِ موسكو أي استعداد حقيقي لقبول مسودة السلام التي يعمل عليها الأوكرانيون والغربيون. وترى الصحيفة أن هذا الرفض الروسي يزيد من تعقيد المفاوضات، إذ يجعل الضمانات الأمنية نفسها محل نزاع، لا مجرد بند تقني في اتفاق سلام، وهو ما يفسر بطء التقدم رغم كثافة اللقاءات الدبلوماسية.
رغم مركزية ضمانات أمن أوكرانيا، إلا أنها ليست الخلاف الوحيد. فلا تزال قضايا الأراضي، خاصة في إقليم دونيتسك، عالقة. إذ تدفع مقترحات سابقة إلى انسحاب أوكراني من مناطق تسيطر عليها حاليًا. واقترح زيلينسكي مؤخرًا حلاً وسطًا يدعو إلى انسحاب متبادل من مناطق في دونيتسك، وتحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح. لكن هذا المقترح، وفق نيويورك تايمز، يواجه تحفظات كبيرة من موسكو.
وتكشف المفاوضات الجارية أن مستقبل السلام بين روسيا وأوكرانيا يتوقف على قدرة الغرب على تقديم ضمانات أمن أوكرانيا بشكل واضح وملزم. فبدون ذلك، تخشى كييف أن يتحول أي اتفاق إلى هدنة مؤقتة.
