
تطرق رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو مساء الإثنين الماضي إلى فكرة مفادها أن الفرنسيين بشكل عام، ومناصري اليمين المتطرف بشكل خاص، يشعرون بأن الهجرة باتت “تغمر” مجتمعهم. وعلى خلفية تصريحاته هذه، اعتبر البعض أن بايرو تبنى نظرية “الاستبدال الكبير“ التي يروج لها اليمين المتطرف، ما أثار ردود فعل واسعة حتى داخل معسكره السياسي.
عندما اختار رئيس الوزراء الفرنسي الجديد فرانسوا بايرو الحديث عن “شعوره” فيما يخص موضوع حساس مثل موضوع الهجرة، كان في الحقيقة يدرك بأنه يمشي على أرض زلقة وسيخلق جدلا واسعا في الأوساط السياسية الفرنسية. لكن على الرغم من ذلك، يبدو أنه قرر الحديث بنوع من الصراحة والتلقائية حول مسألة التنوع الثقافي والعرقي في فرنسا خلال الحوار الذي أجراه يوم الإثنين 27 يناير/كانون الثاني الماضي مع قناة “إل سي إ” (LCI). وأعرب بايرو عن “شعور بإغراق” فرنسا بالمهاجرين، مقلدا بذلك الخطاب الذي يروج له اليمين المتطرف منذ عدة عقود.
مهاجرون من أصل أفريقي يحاولون الهجرة إلى أوروبا يتم نقلهم من قارب صغير تابع لخفر السواحل التونسي إلى سفينة أكبر، في البحر بين تونس وإيطاليا، في 10 أغسطس/آب 2023. © أ ف ب/ أرشيف وقال: “أعتقد أن المساهمات الأجنبية إيجابية لشعب ما، بشرط ألا تتجاوز نسبة معينة”. وأضاف: “لكن بمجرد أن تشعر بالغرق، وبعدم التعرف على بلدك أو على أسلوب حياتك أو ثقافتك، عندها يكون لديك رفض“.
وبالنسبة لبايرو، لم يتم تجاوز هذا الحد بعد في فرنسا، لكن “نحن نقترب منه”. وتابع: “على أي حال، نحن لسنا بعيدين عن هذا الحد”، مع العلم أن “عددا معينا من المدن أو المناطق تتقاسم فعلا هذا الشعور”، يقصد الشعور بأن الهجرة أصبحت تغرق المجتمع الفرنسي. هذا التعليق كان موجها لإرضاء ناخبي حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الذين يتحكمون في مصيره السياسي رفقة نواب الحزب الاشتراكي في الجمعية الوطنية.
فمثلما وقع لرئيس الوزراء السابق ميشال بارنييه الذي حجبت عنه الثقة، يتعين على نواب الحزبين الاختيار في بداية شباط/فبراير المقبل ما إذا كان سيصوتان على اقتراح حجب الثقة في حال لجأ بايرو إلى استخدام المادة 49.3 لتمرير ميزانية 2025. وأثار تعليق رئيس الوزراء الفرنسي أيضا رد فعل فوري في صفوف اليسار على غرار انتقاد النائب الاشتراكي أرتور دولبورت، الذي رأى في ما صدر بايرو “خلفية عنصرية“.
وجدير بالذكر أن الخطاب الذي يزعم بأن “الهجرة أصبحت تغمر المجتمع الفرنسي” ليس جديدا في فرنسا. بل يعود إلى القرن 19. لكن تم تعميمه في نسخته الحديثة في الستينيات من القرن الماضي من قبل دومينيك فينر، أحد مفكري اليمين المتطرف الفرنسي. نفس الخطاب تبناه أيضا في 1983 جان ماري لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) الذي غير اسمه في 2018 ليصبح التجمع الوطني، بقيادة ابنته مارين لوبان.
هذا وفي 2010، تطور الخطاب الذي يزعم بأن “الهجرة أصبحت تغمر المجتمع الفرنسي” إلى نظرية جديدة تدعى “الاستبدال الكبير” والمنسوبة إلى الكاتب رينو كامو. هذا الأخير يعتقد أن زيادة حجم الهجرة يهدد الغرب. بمعنى أن وصول أعداد كبيرة من المهاجرين من أفريقيا إلى فرنسا، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الولادات والخصوبة في صفوف هؤلاء الأجانب مقارنة بالفرنسيين، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى جعل السكان البيض والمسيحيين أقلية، وبالتالي ستفرض عليهم ثقافة ليست ثقافتهم.
لكن الحقائق الميدانية تتناقض مع الخطاب الذي يتداوله ويسوقه اليمين المتطرف بخصوص الهجرة.
ففي عام 2023، أظهرت إحصائيات أجراها المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية أن 7,3 مليون مهاجر من أصل 68,1 مليون نسمة يعيشون في فرنسا، أي ما يمثل 10,7% من إجمالي السكان. ومن بين هؤلاء المهاجرين، حصل 2,5 مليون منهم على الجنسية الفرنسية ليصبح عدد الأجانب المقيمين في فرنسا في 2023 لا يتعدى 5,6 مليون، أي حوالي 8,2% من السكان. وعلى سبيل المثال، كان المهاجرون يمثلون 7,4% من إجمالي السكان الفرنسيين قبل خمسين عاما.
اقرأ أيضاما رد فعل الجزائر والمغرب بعد ربط وزير الداخلية الفرنسي استعادة المهاجرين بالتأشيرات؟
وأدان اليسار الفرنسي بشدة ما قاله فرانسوا بايرو. ووصف مانويل بومبار منسق حزب “فرنسا الأبية” التي يتزعمها جان لوك ميلنشون، تصريحات رئيس الحكومة الفرنسية ب”المزعجة للغاية”، وبأنها “لا تتماشى على الإطلاق مع واقع أرقام الهجرة“.
صورة توضيحية لتخوفات المهاجرين في فرنسا من قانون الهجرة الجديد. © استوديو غرافيك فرانس ميديا موند
وفي نفس السياق، صرحت سيريال شتلان، رئيسة كتلة الخضر في الجمعية الوطنية على قناة “فرانس أنفو” الأربعاء الماضي: “إنه أمر مخجل. لقد صدمت بشدة من استخدام رئيس الوزراء لمصطلح الهجرة تغمر المجتمع الفرنسي وإضفاء الشرعية عليه. نحن لسنا في هذه الحالة إطلاقا. دور رئيس الوزراء هو تذكير الناس بذلك بدلا من الاستمرار في تغذية الأوهام“.
من ناحيته، كتب بوريس فالو، رئيس كتلة نواب الحزب الاشتراكي في الجمعية الوطنية، على منصة ” إيكس”: “نحن لا نستخدم كلمات أو أوهام اليمين المتطرف. أين ذهبت الجبهة الجمهورية، يا سيد رئيس الوزراء؟ إنه أمر مشين“.
ولم ينحصر الاستياء على أحزاب اليسار فقط. بل شمل أيضا المعسكر الرئاسي. إذ قالت يائيل براون-بيفيت، رئيسة الجمعية الوطنية وعضو حزب النهضة، حليف حركة الديمقراطيين لفرانسوا بايرو، يوم الثلاثاء الماضي على قناة بي إف إم “لم أكن لأقول هذه الكلمات، وهي تزعجني. نحن نتحدث عن رجال ونساء. نتحدث عن بلدنا، عن فرنسا التي من خلال تاريخها وجغرافيتها وثقافتها، استقبلت المهاجرين وتأسست على هذه التقاليد“.
وأضافت: “بالطبع يجب تنظيم الهجرة. ومن الضروري أن نكون صارمين جدا بشأن قيمنا وشروطنا ومتطلباتنا للاندماج. لكنني لا أستخدم هذه الكلمات ولن أستخدمها أبدا لأنني أعتقد أنها تتعارض مع ما نمثله“. بالمقابل، أبدى آخرون إعجابهم بتصريحات بايرو. على غرار وزير العدل، جيرالد دارمانان، الذي أكد يوم الثلاثاء الماضي على قناة “سي نيوز” بأن رئيس الوزراء “شجاع”. أكثر من ذلك، تحدث درمانان عن “تقدم” في الخطاب حول الهجرة. لكن الأكثر سعادة هم بالطبع نواب التجمع الوطني.
فقال سيباستيان شينو، نائب رئيس الحزب يوم الثلاثاء الماضي على إذاعة “فرانس أنتير” “أعتقد بأننا فزنا بالمعركة الإيديولوجية منذ وقت طويل. الفرنسيون أولا والحكام ثانيا فهموا منذ زمن طويل بأن هناك مشكلة مع الهجرة”، معتبرا بأنه “لا ينبغي الاكتفاء باستخدام كلمات اليمين المتطرف، بل يجب الانتقال إلى الأفعال“.
