
أثارت دعوة برلمانية للسماح بتعدد الزوجات في تونس موجة واسعة من الجدل السياسي والاجتماعي. وطالب النائب عبدالستار الزارعي الرئيس قيس سعيد بإجراء استفتاء شعبي لتعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يحظر تعدد الزوجات منذ نحو 70 عاما، وسط انتقادات حادة من نواب وشخصيات عامة حذرت من المساس بالمكتسبات القانونية للمرأة التونسية.
وجاءت الدعوة خلال جلسة برلمانية مخصصة للحوار مع وزير الصناعة، حيث دعا الزارعي إلى مراجعة التشريعات المنظمة للأسرة والسماح بتعدد الزوجات، معتبرا أن الخطوة قد تسهم في معالجة بعض المشكلات الاجتماعية التي تواجه الأسر التونسية.
ودافع النائب عن مقترحه مستندا إلى ما وصفه بإباحة تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية، مؤكدا تمسكه بطرح القضية رغم الانتقادات التي تعرض لها والاتهامات الموجهة إليه بالرجعية والتخلف.
أثارت تصريحات الزارعي ردود فعل غاضبة داخل الأوساط السياسية والثقافية، في ظل المكانة التي تحتلها مجلة الأحوال الشخصية في التشريعات التونسية، باعتبارها أحد أبرز القوانين التي أرست حقوق المرأة ونظمت العلاقات الأسرية.
وحذرت النائبة فاطمة المسدي من أن الدعوة إلى السماح بتعدد الزوجات قد تتجاوز مجرد تعديل قانون الأسرة، معتبرة أنها ربما تمثل مدخلا لطرح تغييرات دستورية تخدم أجندات سياسية.
وقالت المسدي، في تدوينة عبر حسابها على «فيسبوك»، إن المطالبة بتعدد الزوجات تعكس، من وجهة نظرها، إما عدم إدراك للضمانات الدستورية التي تحمي حقوق المرأة، أو محاولة لاستخدام الاستفتاء الشعبي لتمرير تعديلات تمس تلك المكتسبات.
واعتبرت أن القضية قد تخفي محاولة للالتفاف على الدستور بما يخدم ما وصفته بأجندة الإسلام السياسي. وطالبت أصحاب هذه التوجهات بطرح مشروعاتهم السياسية بوضوح أمام المواطنين وخوض الانتخابات على أساسها، بدلا من توظيف القضايا الاجتماعية في صراعات سياسية، مؤكدة ضرورة احترام القواعد الديمقراطية عند المطالبة بأي تعديلات دستورية.
وفي سياق ردود الفعل، دخلت الكاتبة التونسية ألفة يوسف على خط الجدل، منتقدة الدعوة إلى إعادة السماح بتعدد الزوجات، ومتسائلة عن جدوى المقترح في معالجة المشكلات الاجتماعية والأسرية. وأوضحت يوسف، في تدوينة نشرتها على «فيسبوك»، أن بعض المطالبات بتعدد الزوجات قد ترتبط بالرغبة في تحويل علاقات غير رسمية إلى زيجات معترف بها قانونيا، لكنها رأت أن ذلك لا يقدم حلا شاملا للمشكلات الاجتماعية.
وتساءلت عن مبدأ المساواة في التعامل مع العلاقات بين الرجال والنساء، مشيرة إلى أن طرح تعدد الزوجات باعتباره حلا اجتماعيا يثير تساؤلات أخرى بشأن حقوق الطرفين. وتطرقت الكاتبة التونسية إلى الأبعاد النفسية للمسألة، معتبرة أن اختزال الزواج في العلاقة الجنسية يتجاهل الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة الزوجية، وفي مقدمتها السكن والمودة والرحمة.
من جانبه، شن سرحان الناصري، رئيس حزب التحالف من أجل تونس، هجوما حادا على الدعوة إلى تعدد الزوجات، منتقدا انشغال بعض النواب بهذه القضية في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المواطنين. وفي تدوينة عبر «فيسبوك»، دعا الناصري النيابة العمومية إلى النظر في إمكانية إخضاع النائب صاحب المقترح وبعض زملائه لفحوص طبية للاطمئنان على سلامة مداركهم.
وتساءل مستنكرا عن أسباب إثارة قضية تعدد الزوجات في وقت يعاني فيه المواطنون من ارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، معتبرا أن هذه الملفات تستحق أولوية أكبر في النقاش البرلماني.
يحظر القانون التونسي تعدد الزوجات بموجب مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في 13 أغسطس 1956، والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير 1957. وتنص التشريعات التونسية على تجريم الزواج بأكثر من امرأة في الوقت نفسه، مع إقرار عقوبات جزائية بحق من يخالف هذا الحظر.
وشكلت مجلة الأحوال الشخصية تحولا مهما في تنظيم العلاقات الأسرية داخل تونس، إذ أقرت مجموعة من الحقوق والضمانات القانونية للمرأة، من أبرزها منع تعدد الزوجات، وإسناد الطلاق إلى القضاء، وإقرار المساواة بين الزوجين في أسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره.
كما منعت إجبار المرأة على الزواج دون رضاها، وألزمت بإتمام الزواج في إطار قانوني رسمي، مع وضع شروط وضوابط تتعلق بسن الزواج وإجراءاته. تحتفل تونس بالعيد الوطني للمرأة في 13 أغسطس من كل عام، تخليدا لذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية عام 1956، التي تعد إحدى أبرز المحطات التشريعية في تاريخ البلاد.
واكتسبت هذه المجلة مكانة خاصة في المجتمع التونسي، بعدما أرست تعديلات جوهرية في قوانين الأسرة، وغيرت عددا من القواعد المنظمة للزواج والطلاق وحقوق الزوجين.
العين الإخبارية – محسن أمين
