
أثار توجيه إسرائيلي يقضي باستبعاد أفراد من أطقم الطيران على أساس أصولهم جدلا سياسيا ونقابيا في فرنسا، بعدما كشفت صحيفة “ميديابارت” عن مذكرة داخلية لشركة “إير فرانس” تنقل تعليمات تتعلق بجنسيات العاملين المسموح لهم بالمشاركة في الرحلات المتجهة إلى إسرائيل. ولم يعد النقاش مقتصرا على متطلبات الأمن الجوي، بل امتد إلى المساواة بين المواطنين الفرنسيين، ومسؤولية الشركات الفرنسية عن حماية حقوق موظفيها، واحتمال وقوع تمييز على أساس الأصل أو الجنسية.
بحسب تحقيق نشرته “ميديابارت” في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أبلغت “إير فرانس” أطقمها بتوجيه إسرائيلي يمنع أفراداً يحملون جنسيات دول لا تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية، من العمل على الرحلات المتجهة إليها.
ووفقاً للقائمة التي تداولتها وسائل إعلام، تشمل القيود 31 جنسية، من بينها الجزائر وتونس وليبيا وإيران وباكستان وعُمان والسعودية ولبنان والعراق وسوريا واليمن، إلى جانب دول أخرى. ولا يقتصر الإجراء، بحسب التقارير، على الأجانب الذين يحملون جنسية واحدة، بل يشمل فرنسيين يحملون جنسية ثانية من بين الجنسيات المستهدفة. وبذلك، قد يستبعد طيار فرنسي من أصول جزائرية مثلا من رحلة إلى تل أبيب، رغم تمتعه بالمؤهلات المهنية نفسها التي يتمتع بها زملاؤه.
جاءت هذه التطورات عقب حادثة طائرة “فلاي دبي”، التي كانت متجهة إلى تل أبيب من الإمارات نهاية سبتمبر/أيلول الماضي. ووفقاً لتقارير إعلامية، اتُّهم مساعد الطيار، العُماني، بالتخطيط لهجوم استهدف مطار بن غوريون.
انتقل الجدل سريعاً من الصحافة إلى الساحة السياسية والنقابية الفرنسية، حيث تركزت الاعتراضات على نقطتين: رفض التمييز بين الموظفين الفرنسيين بسبب جنسيتهم الإضافية، والتشكيك في حق شركة فرنسية في تطبيق توجيه أجنبي إذا كانت آثاره تتعارض مع قواعد المساواة في العمل.
سياسياً، انتقدت شخصيات من اليسار الفرنسي موقف “إير فرانس”، ومن بين الأسماء التي تناولتها التغطيات النائبة الأوروبية ريما حسن عن حزب “فرنسا الأبية“، التي اعتبرت أن الشركة تمارس التمييز بحق موظفيها استجابة للتوجيهات الإسرائيلية. كما انتقد النائب توما بورت والأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل ما اعتبراه مساساً بالمساواة بين المواطنين الفرنسيين، وأثارا تساؤلات بشأن مسؤولية السلطات الفرنسية في مواجهة القرار.
نقابياً، اتخذ الاعتراض منحى أكثر مباشرة. فقد طالبت نقابة “سي جي تي” في “إير فرانس” بتعليق الرحلات بين باريس وتل أبيب، معتبرة أن العاملين لا ينبغي أن يخضعوا لفرز مهني قائم على الجنسية. ويعكس هذا المطلب انتقال القضية من الاحتجاج على مبدأ القرار إلى الضغط من أجل تغيير طريقة تعامل الشركة معه.
كما انتقدت نقابة “القوة العمالية” (FO) استجابة الإدارة للتوجيه الإسرائيلي، معتبرة أن الشركة لا ينبغي أن تصبح أداة لتنفيذ إجراءات تتعارض مع مبدأ المساواة بين الموظفين. وأعادت النقابة التذكير بأن قانون العمل الفرنسي يحظر التمييز في العمل على أسس محمية قانوناً.
في المقابل، تتمسك “إير فرانس” بحجة مفادها أنها ملزمة باحترام شروط الدخول التي تفرضها الدول التي تسيّر إليها رحلاتها، سواء تعلق الأمر بالركاب أو بأفراد الأطقم. لكن هذا التبرير لا يحسم السؤال الأساسي: هل يجيز الالتزام بقواعد دولة أجنبية للشركة استبعاد موظفين فرنسيين من مهام معينة بسبب أصولهم الوطنية أو العرقية أو الدينة؟
يحظر قانون العمل الفرنسي أشكالا من التمييز في العمل على أسس تشمل الأصل والانتماء الحقيقي أو المفترض إلى أمة أو إثنية، فضلاً عن معايير أخرى يحميها القانون. وتثير القضية احتمال وجود معاملة غير متكافئة بين مواطنين فرنسيين: أحدهما يستطيع المشاركة في رحلة إلى إسرائيل، فيما يُستبعد الآخر بسبب حمله جنسية إضافية، لا بسبب اختلاف في الكفاءة أو الأداء المهني.
وتطرح القضية أيضا أسئلة بشأن حماية البيانات الشخصية، ولا سيما إذا استلزم تنفيذ التوجيه جمع معلومات عن الجنسيات الإضافية للموظفين، فضلاً عن أثر الاستبعاد على توزيع الرحلات وفرص التقدم المهني.
