
أثار إعلان الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر عن حجز أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة في مدينة الكفرة تساؤلات جدية حول ما إذا كانت البلاد قد تحوّلت إلى سوق استهلاك للمخدرات. وقال الجيش في بيان، إنّ العملية التي شنها ضدّ أحد أوكار الجريمة المنظمة شهدت تبادلاً لإطلاق النار ما أسفر عن إصابة 3 جنود، فيما نشر مقاطع فيديو تُظهر شاحنة نقل وبراميل تخزين، وأكياسًا شفافة تضم كميات ضخمة من الحبوب.
وقال المحلل السياسي الليبي، الدكتور خالد محمد الحجازي، إن “هذه العملية ليست مجرد خبر أمني عابر، بل جرس إنذار يستوجب الوقوف أمام ظاهرة تهدد أمن المجتمع الليبي ومستقبل أجياله القادمة، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبحت ليبيا مجرد ممر لتهريب المخدرات إلى الأسواق الإقليمية، أم أن شبكات التهريب بدأت تجد فيها سوقاً محلية متنامية لترويج سمومها؟”.
وبيّن في تصريح لـ “إرم نيوز”، أنّ “ليبيا تواجه تحدياً مركباً، تغذيه عدة عوامل، في مقدمتها الانقسام المؤسسي والأمني، واتساع الحدود البرية، وصعوبة مراقبة المسارات الصحراوية، فضلاً عن نشاط شبكات الجريمة المنظمة التي تبحث عن مناطق تستطيع استغلال ضعف الرقابة فيها لتحقيق أرباح ضخمة”.
ومضى الدكتور الحجازي قائلًا: “لكن الأخطر من عمليات التهريب ذاتها هو احتمال تحول هذه التجارة إلى اقتصاد موازٍ، تتداخل فيه المصالح المالية غير المشروعة مع الفساد وضعف إنفاذ القانون. وهنا لا بد من التأكيد أن المسؤولية لا تُلقى على أي جهة بعينها دون أدلة وتحقيقات موثوقة، بل يجب أن تشمل التحقيقات جميع المتورطين، مهما كانت مواقعهم أو نفوذهم”.
وشدد على أنّه “في المقابل، لا يمكن تجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد تجعل بعض الشباب عرضة للتعاطي أو الاستغلال من قبل شبكات الترويج، في ظل البطالة وتراجع الفرص وضعف برامج الوقاية والتأهيل”.
وذكر الدكتور الحجازي أنّ “ضبط 1.3 مليون حبة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده للإجابة عن الأسئلة الجوهرية: من أين جاءت هذه الشحنة؟ ومن يقف وراء تمويلها؟ وكيف وصلت إلى الكفرة؟ وإلى أين كانت متجهة؟ وهل كانت مخصصة للعبور إلى دول أخرى أم أن جزءاً منها يستهدف السوق الليبية؟”.
وأضاف أن “المطلوب اليوم ليس الاحتفاء بالشحنات المضبوطة فحسب، بل تفكيك الشبكات التي تقف وراءها، وتتبع الأموال والعائدات، ومحاسبة كبار المهربين والممولين، وتعزيز التعاون الأمني والقضائي بين المؤسسات الليبية”.
ولفت الدكتور الحجازي إلى أنه “يجب إطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات، تجمع بين حماية الحدود، ومكافحة الفساد، وتوعية الشباب، وتوفير العلاج وإعادة التأهيل للمتعاطين، فالمخدرات ليست قضية أمنية فقط، بل معركة لحماية المجتمع والدولة والمستقبل”.
مؤشر خطير
من جهته، رأى المحلل السياسي الليبي، إبراهيم اسويطي، أنّ “هذه العملية تعد مؤشرا خطيرا على تحولات في طبيعة نشاط كارتيلات المخدرات التي تسعى إلى جعل ليبيا بالفعل سوقا للاستهلاك وليس مجرد بلد عبور للمخدرات”.
وأضاف في تصريح لـ”إرم نيوز”، أنّ “في وقت سابق، تحدث تقرير أممي عن أن ليبيا بلد عبور للمواد السامة لمنطقة الساحل الأفريقي وغيرها، لكن الآن هناك تحول مهم ويجب الانتباه إليه في نشاط شبكات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود”.
وأشار اسويطي إلى أنّ “غياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة ومؤسسات دولة موحدة يمنح هذه الشبكات فرصة لتعزيز نشاطها في البلاد”.
