اليونيفيل تستعد للرحيل فما هو دور البعثة الأوروبية الجديدة في لبنان؟

أثار إعلان الاتحاد الأوروبي، الإثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول، عن إنشاء بعثة جديدة تهدف إلى دعم القوات المسلحة اللبنانية، تساؤلات عدة عن ماهية تلك البعثة، والدور المنوطة به، وما إذا كانت ستحل محل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، التي تدنو ولايتها من الانتهاء بنهاية العام الحالي. 

وفي المقابل من هذه التساؤلات، قوبلت الخطوة الأوروبية بترحيب رسمي من جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي اعتبر وجود هذه البعثة ركيزة أساسية لمساندة المؤسسة العسكرية، وقال إنها ستُسهم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وضبط حدودها بما ينسجم مع قرارات الحكومة في حصر السلاح.

اعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي اللبناني، العميد سعيد القزح، أن التواجد المرتقب للبعثة العسكرية الأوروبية في لبنان يأتي ضمن مسار جديد يركز على دعم ومساندة الجيش اللبناني والإشراف على عمليات التدريب، وليس إحلالًا لقوات حفظ السلام الدولية «اليونيفيل»، العاملة بالجنوب منذ عام 1972، مشدِّدًا على أن هذه البعثة لا تُعد بأي حال من الأحوال بديلًا عن القوات الأممية.

وفي تصريحات خاصة لـ«الغد»، أوضح القزح أن البعثة، التي تضم قوات من دول أوروبية بارزة في مقدمتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تهدف أساسًا إلى تقديم الدعم والمساندة للجيش اللبناني والإشراف على تدريباته، ولا تحمل الصفة التنفيذية أو الميدانية التي اضطلعت بها قوات اليونيفيل المتواجدة.

وأشار القزح إلى احتمالية قيام البعثة الأوروبية بتقديم مساعدات لوجستية أوسع تقررها الدول الأوروبية المشاركة، بحيث تصل تلك الإمدادات وتؤمن عبر البعثة إلى الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

وكشف الخبير العسكري والاستراتيجي عن الفارق الجوهري بين مهام قوات اليونيفيل وتلك البعثة الأوروبية، إذ إن قوات الطوارئ الدولية تواجدت في لبنان بموجب تفويض رسمي وصريح من الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحت الفصل السادس، بموجب القرار رقم 425 لعام 1978، قبل أن تتطور مهامها وتتوسع صلاحياتها ويزداد عديدها وعتادها عقب حرب يوليو 2006، بموجب القرار الدولي رقم 1701.

ولفت إلى أن قوات اليونيفيل لم تتخذ أي موقف أو دور رادع تجاه مختلف الأعمال العدائية، إذ عجزت عن منع الجيش الإسرائيلي من خرق السيادة اللبنانية برًّا وبحرًا وجوًّا أو ردع توغلات قواته، كما لم تردع القوى غير الشرعية المتواجدة في منطقة جنوب نهر الليطاني، ولم تمنعها من القيام بأنشطتها التي تخرق السيادة اللبنانية عبر إقامة منشآت وبنى تحتية عسكرية ومخازن أسلحة وذخيرة ومنصات لإطلاق الصواريخ، واقتصر نشاطها فقط على رصد الانتهاكات ورفع تقرير إلى الأمم المتحدة.

وأوضح الخبير العسكري اللبناني أن السبب الرئيسي في هذا العجز الميداني يعود إلى عدم وضع قوات اليونيفيل تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يخول القوات استخدام القوة العسكرية لفرض السلام، بينما استمر العمل بموجب الفصل السادس المنحصر في إحلال السلام بالوسائل الدبلوماسية.

وأضاف أن قوات اليونيفيل عجزت حتى عن الدفاع عن نفسها أمام الاعتداءات المتكررة التي تعرضت لها، سواء من قبل القوى المسلحة غير الشرعية في الجنوب أو من جانب القوات الإسرائيلية، ولم تقُم بالرد على مصادر إطلاق النار، بالرغم أن القوانين الدولية وحقوق الإنسان تجيز لها حق الدفاع عن النفس.

وفيما يتعلق بالطبيعة الميدانية للبعثة الأوروبية المرتقبة، أشار إلى أنها لن تضطلع بأي مهام عجزت القوات الأممية عن تحقيقها سابقًا، منوهًا بأنها وفقًا لتصريحات ممثلة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، يقتصر دورها على تقديم المشورة والمساعدة في تدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بناءً على اتفاق ثنائي يجمع لبنان بالدول التي ستُرسَل منها هذه البعثة.

وقال القزح إن تأثير البعثة سيكون معنويًّا أكثر منه عمليًّا، لكون عددها محدودًا، وفي وقت يمتلك فيه الجيش اللبناني طاقات وقوى مماثلة، إلى جانب وجود مستشارين أميركيين وبريطانيين بأعداد محدودة أيضًا يواصلون تدريب الوحدات الخاصة في الجيش منذ سنوات.

وواصل الخبير العسكري والاستراتيجي اللبناني العميد سعيد القزح تصريحاته لـ«الغد» بالحديث عمَّا إذا كانت البعثة الأوروبية ستكون منوطة بدور ما في مساعدة الجيش اللبناني على الانتشار في الجنوب تطبيقًا للاتفاق مع إسرائيل الذي رعته الولايات المتحدة.

وقال القزح إن هذه البعثة لن يكون لها أي دور في مساندة الجيش اللبناني للانتشار في جنوب البلاد أو على كامل الأراضي اللبنانية، مشيرًا إلى أن مهامها ستقتصر حصرًا على تقديم المشورة والتدريب والمساعدات لا أكثر ولا أقل، ومؤكدًا أنه في ظل عدم نجاح قوات اليونيفيل، التي وصل قوامها في مرحلة من المراحل إلى 15 ألف جندي، في أداء مهمتها سابقًا، فمن المستحيل أن تنجح القوة الأوروبية بأعدادها المحدودة في تحقيق أي فارق ميداني أو عملياتي على الأرض.

لكنه أكد أيضًا أن دور قوات اليونيفيل لم يخلُ من محطات إيجابية بارزة، تلخصت في الوساطة العسكرية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي والتنمية الاقتصادية والمجتمعية في منطقة جنوب نهر الليطاني.

وأوضح أن قوات اليونيفيل شكَّلت قناة اتصال حيوية ومباشرة للوساطة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي عند حدوث أي مناوشات أو توترات ميدانية على الحدود، مرسخةً حلًّا للمواقف الحرجة في ظل رفض الجيش اللبناني القاطع إجراء أي تواصل مباشر مع الجانب الإسرائيلي.

وقال إنه على الجانب الاقتصادي والأمن الميداني، أسهم وجود نحو 15 ألف جندي أجنبي في مساحة جغرافية محدودة هي منطقة جنوب الليطاني، في خلق حركة اقتصادية واسعة، تجسدت في انتعاش الأسواق التجارية، والمطاعم، وقطاعات الخدمات، وكل ما يمت للحياة بصلة.

وأوضح، بناءً على خدمته الميدانية السابقة بالمنطقة، أن منطفة جنوب الليطاني تحوَّلت منذ عام 2006 وحتى إعلان «حرب الإسناد» من قِبَل حزب الله، إلى واحدة من أكثر المناطق أمانًا، ليس في لبنان فقط، وإنما على مستوى العالم، وقد استفادت المنطقة الغنية من هذا الاستقرار، فقد كانت تعج بالسكان والمغتربين والسياح في فصل الصيف، ما أدرَّ عوائد اقتصادية ضخمة.

كذلك، نوه القزح بالمساعدات الإنمائية لقوات اليونيفيل، مؤكدًا أنه إلى جانب الوساطة والاقتصاد، قدمت قوات الطوارئ الدولية دعمًا مباشرًا للبلديات والأهالي عبر برنامج التعاون العسكري المدني «CIMIC»، بمبالغ مالية كبيرة، شملت: حفر الآبار الأرتوازية، وإنشاء خزانات المياه، وترميم المدارس، وتمهيد الطرقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *