
ضربة قوية تلقتها شبكة الإخوان في أوروبا، تعزز الحصار على الجماعة عالميا، وتفتح الباب أمام إجراءات أكثر قوة في المستقبل. ووافق البرلمان الأوروبي على قرار يدعو الدول الأعضاء في الاتحاد إلى وضع استراتيجية مشتركة لمكافحة شبكات جماعة الإخوان، وتجفيف منابع تمويلها، ورصد أذرعها في القارة العجوز.
وحظي القرار، الذي قدمه حزب الشعب الأوروبي (EPP)، بدعم من المحافظين وأقصى اليمين، بالإضافة إلى بعض المشرعين الليبراليين، وجرى تمرير القرار بأغلبية 381 صوتًا مؤيدًا، مقابل 167 صوتًا معارضًا و15 صوتًا ممتنعًا. وفي أحاديث مع “العين الإخبارية”، يرى محللون أن هذا القرار يعد خطوة كبيرة في مسار حصار الإخوان في القارة، ويتماهى مع جهود في دول عدة، بداية من فرنسا إلى النمسا، مرورا بألمانيا.
كما يضع القرار، وفق المحللين، كثيرا من الضوء على أذرع الإخوان الخفية التي تتعاون مع مؤسسات أوروبية، في مشاريع تحت لافتات مدنية، وتحصد جانبا من أموال دافعي الضرائب. ومن المتوقع، أن يعزز هذا القرار الرقابة على أذرع الإخوان في دول التكتل، وتكثيف عمليات فحص الجمعيات والمنظمات المتعاونة مع المؤسسات الأوروبية، بما يضيق الخناق على الجماعة ويحرمها من شريان تمويل غير مباشر، ومنصة سياسية مهمة.
كما يمهد قرار البرلمان الأوروبي لوضع استراتيجية موحدة في التكتل، لمواجهة شبكات الإخوان، ويعزز في الوقت ذاته، التحركات ضد الجماعة في كل دولة عضو على حدة. بدوره، قال الباحث في شؤون الإخوان طارق أبوالسعد لـ”العين الإخبارية”، إن “دور الإخوان يعتبره كثر أخطر من أفكار الجماعات الإرهابية (العنيفة)، لأنه على المدى البعيد يعمق الانفصال عن المجتمع وبالتالي يمنع الاندماج“.
وتابع: “تنامي شبكة الإخوان مع وجود مصادر تمويل غير معلومة وغير واضحة وغير قانونية، يعد مصدر قلق شديدا في أوروبا“. وتوقع أبوالسعد أن يتحول الموقف الحالي في البرلمان الأوروبي، إلى رقابة شديدة على مصادر تمويل الإخوان، ووقف تمدد شبكة النفوذ والقضاء على ملامح ما يمكن اعتباره “لوبي إخوانيا وليدا” في القارة.
في هذا السياق، قالت النائبة النمساوية في البرلمان الأوروبي بيترا شتيغر: “يتردد أن نحو 60 مليون يورو من أموال الدعم الممنوحة من الاتحاد الأوروبي قد ذهبت إلى منظمات يُتهم أنها على صلة بالأوساط المتطرفة أو بجماعة الإخوان“.
وتابعت في تصريحات صحفية عقب تمرير القرار: “وعلى الرغم من أن هذه الروابط تخضع للانتقاد منذ سنوات، فإنه لا يزال هناك قصور في منع جميع قنوات التمويل، حتى غير المباشرة منها“. قبل أن تضيف: “يتمتع ممثلو منظمات مشكوك في أمرها منذ سنوات بإمكانية الوصول إلى مؤسساتنا… يجب ألا يتدفق سنت واحد بعد الآن إلى الهياكل المتطرفة“.
القرار المعتمد يوم الخميس بأغلبية كبيرة، يدين «استراتيجية تسلل الإسلام السياسي التي تهدف إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي». كما يطالب القرار بالتعليق الفوري والدائم لأي شكل من أشكال الدعم الاقتصادي أو المنح أو الإعانات أو المساعدات المالية الممولة من ميزانية الاتحاد الأوروبي لأي منظمة أو مؤسسة أو منظمة غير حكومية أو كيان مرتبط بها، تربطها صلات مباشرة أو غير مباشرة بشبكات الإسلام السياسي، بما في ذلك جماعة الإخوان.
الأكثر من ذلك، يدعو المشروع المفوضية إلى تقييم مدى ملاءمة الإطار القانوني الحالي للاتحاد الأوروبي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب للغرض المقصود، وبشكل خاص ما إذا كان هذا الإطار قويًا بما يكفي لاعتراض وتتبع ومنع تدفق التمويل الأجنبي الذي يدعم منظمات الإسلام السياسي والكيانات التابعة لها العاملة داخل الدول الأعضاء.
بالإضافة إلى ذلك، يدعو المشروع المفوضية والدول الأعضاء إلى تعزيز الرقابة على الهياكل الاقتصادية المرتبطة بشهادات الحلال، ولا سيما تمويلها وتدفقاتها المالية وروابطها مع جهات فاعلة من خارج الاتحاد الأوروبي.
هنا، علقت شتيغر قائلة: “من يريد مكافحة جماعة الإخوان بجدية، لا يجوز له أن يستهدف فروعها الفردية فحسب، في حين تظل الشبكة الكامنة وراءها بمنأى عن المساس.. يجب إدراج جماعة الإخوان ككل في قائمة الإرهاب التابعة للاتحاد الأوروبي“.
ويدعو القرار الذي اطلعت “العين الإخبارية” على نسخة منه، نائب رئيس المفوضية، الممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، إلى أن يقترح على المجلس الأوروبي إدراج جماعة الإخوان في قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية. ويطالب القرار، الدول الأعضاء بتعزيز الرقابة على المدارس والجمعيات التعليمية، حيث توجد أدلة موثقة على استخدامها لتعزيز تسلل الإسلام السياسي والانفصالية والتصدي للقيم الغربية.
هذا القرار ليس التحرك الوحيد ضد الإخوان في أوروبا، إذ تقترب دول أوروبية من اتخاذ إجراءات جديدة ضد الجماعة. وعلى سبيل المثال، أعلنت الحكومة النمساوية مؤخرًا أنها تعمل على حظر الإسلام السياسي وإجراء تعديلات قانونية لتحقيق هذا الغرض، لا سيما في قوانين الجمعيات والديانات. وجاء هذا المشروع الحكومي بمبادرة من المستشار كريستيان ستوكر، بعد رصد ذراع للإخوان تعمل تحت لافتة مكافحة التطرف وتعمل في مشاريع مشتركة مع وزارة العدل.
ويتعلق الأمر بمنظمة “دريد” التي اكتشفت الاستخبارات النمساوية روابطها بالإخوان بعد تدقيق أمني بدأ في يونيو/حزيران الماضي. وفي ألمانيا، تتزايد الضغوط، من أجل مسار أكثر قوة لمكافحة تيارات الإسلام السياسي، خاصة مع تنامي التهديد الإرهابي في البلاد. وقال السياسي بالحزب الديمقراطي المسيحي، قائد الائتلاف الحاكم، في تصريحات صحفية مؤخرا: “يمثل الإسلام السياسي أحد أكبر التهديدات التي تواجه التعايش الغربي الليبرالي القائم على الحريات“.
وتابع: “لا بد من إجراء نقاش صادق وصريح حول هذه الأيديولوجية، ووضع حد لأي سذاجة أو دعم هياكل الإسلام السياسي في ألمانيا“. فيما حذر التقرير الأخير لهيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية)، من تسلل جماعة الإخوان، إلى المجتمع بشكل منهجي، وهي ظاهرة لا تمس ولاية براندنبورغ فقط بل ألمانيا بأسرها.
