
تتصاعد تهديدات الذكاء الاصطناعي في إفريقيا مع توظيف أدواته في اختراق الشبكات وسرقة البيانات ومراقبة المعارضين والتأثير في الانتخابات. ويكشف تقرير استخباراتي لشركة أنثروبيك كيف تحولت تقنيات متاحة على نطاق واسع إلى وسائل تمنح جهات إجرامية وسياسية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات سريعة يصعب اكتشافها.
وحذر معهد دراسات الأمن الإفريقي من أن ضعف الثقافة الرقمية واتساع الفجوات التقنية وبطء التنظيم يزيد تعرض القارة لهذه المخاطر. وتشمل الحالات التي استعرضها التقرير كينيا ومالي والسودان وإفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية، وسط دعوات إلى سياسات واضحة لاستخدام الأدوات الذكية وتبادل المعلومات بشأن الهجمات والاختراقات.
يرصد تقرير أنثروبيك استخدام مساعدها كلود بواسطة مؤسسات دعاية حكومية ووكلائها وأفراد ذوي دوافع سياسية وجهات إجرامية وتجارية. ولا تقتصر المشكلة على إنتاج محتوى مضلل؛ إذ تسمح الأدوات بتوليد منشورات بكثافة وكتابة عشرات الآلاف من المقاطع البرمجية الخبيثة. ووفق التحذير الذي أورده التقرير عن الإنتربول، ارتبطت 55% من الجرائم السيبرانية المبلغ عنها بإفريقيا بالذكاء الاصطناعي.
ورغم استمرار الدور البشري في معظم الاختراقات، حذر جاستن هورنزبي، كبير مسؤولي المعلومات في ألفا غروب، من احتمال تطور الهجمات نحو الأتمتة الكاملة. وأوضح للمعهد: لا نرى هجمات مؤتمتة بالكامل حتى الآن، داعيًا إلى ضوابط أشد، تشمل تحديد النماذج التي يستخدمها الموظفون وتقييد الوصول إلى البيانات، لحماية المؤسسات من مخاطر الاستخدام غير المنضبط لهذه التقنيات.
في واقعة تخص هيئة تكنولوجية حكومية لم يُكشف اسمها بشمال إفريقيا، وجد تحقيق أنثروبيك أن أدواتها استُخدمت لجمع المعلومات والاستطلاع وبناء بنية تساعد على الاختراق. وأدى ذلك، بحسب التقرير، إلى انكشاف أكثر من 300 ألف سجل هوية وطنية وبيانات تتعلق بأكثر من 500 ألف شركة، ما يبرز حجم الخسائر المحتملة عند استهداف قواعد البيانات الحكومية.
وتزداد تهديدات الذكاء الاصطناعي مع توسع الحكومات في رقمنة الخدمات؛ إذ يشير التقرير إلى تشغيل نحو 45 حكومة إفريقية أنظمة رقمية لتحسين تقديمها. وفي مالي، رصد التحقيق استخدام كلود لتجاوز ضمانات الحماية واستهداف معارضين وإعداد ملفات عنهم. كما تتنامى المخاوف بجنوب إفريقيا من استهداف كاميرات الشوارع والأجهزة المتصلة، مع مطالبات بمراجعة القواعد التنظيمية لمواكبة التحولات.
في إفريقيا الوسطى، اكتشف المحققون شبكة محطات إذاعية مزيفة تنتج محتوى مولدًا بالذكاء الاصطناعي، مع استخدام كلود لإزالة علامات تنسيق قد تكشف طبيعته الاصطناعية. ويشير التقرير إلى تحقيقات ربطت وكلاء استأجرتهم مجموعة فاغنر بإنتاج مواد مؤيدة لروسيا. أما في الكونغو الديمقراطية، فرصدت أنثروبيك 318 مقالًا موزعة على مواقع إخبارية زائفة ضمن شبكة لإنتاج الأخبار المفبركة.
وفي كينيا، استُخدم كلود لإعداد دفعات تضم كل منها 50 تغريدة قبل انتخابات 2027، بهدف جعلها تبدو، بحسب وصف أنثروبيك، تعليقات شعبية عفوية بدلًا من حملة منسقة. وشملت الروايات المضللة مزاعم تفكك المعارضة. وتوضح هذه الحالة أن تهديدات الذكاء الاصطناعي تشمل حملات محلية أيضًا، عبر التخطيط واختيار المستهدفين وإنتاج المحتوى وتوسيع انتشاره لمحاكاة تفاعل جماهيري.
أكد أنثروبيك أنها عطلت معظم الحملات المرصودة، لكنها تقر بالحاجة إلى تحسين الاكتشاف والمنع وتبادل المعلومات بين الحكومات والشركات. ويعرض التقرير جنوب إفريقيا مثالًا على ضعف التنسيق المنهجي، رغم ريادتها القارية في الابتكار؛ فالمركز الحكومي لتنسيق الأمن السيبراني، الموعود منذ عقد، لم يتحقق، بينما تظل مشاركة معلومات التهديدات بطيئة وتعتمد جزئيًا على اتصالات غير رسمية.
وأضاف تقرير المعهد الأمني أن جنوب إفريقيا تفتقر إلى استراتيجية للذكاء الاصطناعي، وتستخدم مؤسسات حكومية فيها أنظمة قديمة يصعب إصلاحها، مقابل سياسة نيجيرية تتبنى التطوير المسؤول والأخلاقي. ويخلص إلى ضرورة إقرار قواعد أساسية لاستخدام هذه الأدوات، لأن إدخال الموظفين معلومات حساسة إلى النماذج العامة قد يكشف البيانات ويفتح مسارات لاختراق مؤسساتهم، بما يستدعي حماية تقنية وتنظيمية متزامنة.
