
في 15 نوفمبر 2024، وضعت نورا أشهبار حداً لتجربة حكومية لم تكمل خمسة أشهر. كانت قد وصلت إلى السلطة في هولندا بمهمة شديدة الحساسية: إعادة الثقة إلى أسر عانت من ظلم الإدارة نفسها. لكن المرأة المنحدرة من أسرة مغربية ريفية وجدت نفسها أمام مفارقة قاسية؛ كيف يمكنها إصلاح علاقة المواطنين بالدولة، وهي ترى أن لغة الاستقطاب داخل الحكومة أصبحت تعرقل مهمتها؟ لم تكن استقالتها نهاية مسار سياسي طويل. كانت نهاية أول تجربة وزارية لها، بعد سنوات قضتها في القضاء.
وُلدت نورا أشهبار في 21 يونيو 1982 بمدينة سيدي سليمان المغربية. وتصفها سيرتها المنشورة بأنها تنحدر من أسرة ريفية متواضعة. لذلك فإن صلتها بالريف هنا هي الأصل العائلي، لا مكان الميلاد، ولا يصح تقديمها باعتبارها مولودة في الحسيمة أو الناظور. انتقلت في سن مبكرة إلى هولندا، حيث ستعرف حياة مختلفة تماماً عن ذلك العالم الذي تنتمي إليه أسرتها.
لم تكن الطريق نحو السلطة تبدأ من حزب سياسي أو عائلة نافذة، بل من دراسة القانون. التحقت بجامعة لايدن، وتخرجت سنة 2007، ثم تنقلت بين التدريب القضائي والعمل القانوني والمحاماة، قبل أن تصبح مدعية عامة في لاهاي. قضت نحو عشر سنوات في النيابة العامة، وتعاملت مع ملفات جنائية معقدة، بينها قضايا الاحتيال والجرائم ذات الطبيعة الحساسة.
لكن دخولها الحكومة سنة 2024 وضعها أمام نوع آخر من القضايا: ليس البحث عن أفراد خالفوا القانون، بل التعامل مع مواطنين تضرروا من أخطاء أجهزة الدولة. في 2 يوليوز 2024، عُينت أشهبار كاتبة دولة مكلفة بالإعانات والجمارك في حكومة ديك شوف. وكان من أبرز الملفات الواقعة ضمن مسؤوليتها معالجة تبعات فضيحة إعانات رعاية الأطفال، التي تضررت بسببها آلاف الأسر في هولندا جراء اتهامات خاطئة بالاحتيال وإجراءات إدارية ومالية قاسية.
المرأة التي أمضت سنوات في جهاز الادعاء العام أصبحت مسؤولة عن المساهمة في إنصاف مواطنين ظلمتهم آليات المراقبة والاتهام داخل الدولة. وكانت المهمة تتجاوز التعويضات المالية. فالأسر المتضررة لم تكن تحتاج إلى تصحيح ملفاتها فحسب، بل إلى سبب جديد يجعلها تثق في المؤسسة التي ألحقت بها الضرر. لهذا ارتبط خطاب أشهبار السياسي بفكرة استعادة العدالة والإنسانية والثقة. غير أن المشكلة التي أطاحت بها لم تنشأ من ملف الإعانات نفسه.
بعد أحداث العنف التي شهدتها أمستردام في أعقاب مباراة أياكس ومكابي تل أبيب في نونبر 2024، تصاعد الخلاف داخل الأوساط السياسية الهولندية بشأن الهجرة والاندماج وطبيعة الخطاب الموجه إلى المواطنين ذوي الأصول الأجنبية.
في البداية، ارتبط خبر استقالة أشهبار بتقارير تحدثت عن تصريحات عنصرية داخل الحكومة. لكنها خرجت لاحقاً لتوضح موقفاً أكثر تحديداً. أكدت أنها لم تغادر بسبب تصريحات عنصرية بعينها، وإنما بسبب حدة الاستقطاب وطريقة التعامل بين السياسيين، داخل مجلس الوزراء وفي الخطاب الموجه إلى المجتمع. ورفضت الخوض في العبارات التي نسبت إلى بعض أعضاء الحكومة، كما انتقدت التسريبات والاتهامات التي رأت أنها تضر بالثقة.
فالقول إنها استقالت احتجاجاً على تصريحات عنصرية محددة لا يعكس بدقة التفسير الذي قدمته هي بنفسها بعد مغادرة المنصب. لماذا لم تبق لتغيّر الأمور من الداخل؟ هنا يظهر السؤال الأصعب في مسار أشهبار. كان بإمكانها الاستمرار في الحكومة والدفاع عن تصورها من داخلها. وكان يمكن لاستقالتها أن تجعل ملف الأسر المتضررة يفقد مسؤولته السياسية بعد أشهر قليلة من تعيينها.
لكنها اختارت المغادرة، معتبرة أن المناخ السياسي لم يعد يسمح لها بأداء مهمتها بفاعلية. ذلك القرار ليس انتصاراً بسيطاً يمكن الاحتفاء به دون مساءلة. فالاستقالة قد تحفظ انسجام المسؤول مع قناعاته، لكنها لا تنجز وحدها الإصلاحات التي جاء من أجلها. وفي المقابل، فإن البقاء في منصب حكومي لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بالقدرة على التأثير. بين هذين الاحتمالين اتخذت أشهبار قرارها.
وعلى الرغم من أن صعودها إلى الحكومة جسّد نجاحاً مهنياً لافتاً لامرأة من أصول مهاجرة، فإن اختزالها في هذا النجاح وحده يحجب جوهر القصة: مسؤولة قانونية دخلت السياسة لتساعد في معالجة ظلم مؤسساتي، ثم خرجت منها لأنها لم تعد تثق في المناخ الذي يفترض أن تنجز فيه تلك المهمة. لم تنه استقالتها النقاش في هولندا، بل أشعلت أزمة داخل الائتلاف الحكومي، ودفعت سياسيين آخرين إلى إعادة النظر في مواقعهم.
بقيت نورا أشهبار خارج الحكومة، وبقيت الأسر التي جاءت من أجلها تنتظر اكتمال إصلاح ملفها. أما المفارقة الأخيرة، فهي أن المرأة التي وصلت إلى السلطة لاستعادة ثقة الناس في الدولة انتهى بها الأمر إلى تقديم استقالة تطرح سؤالاً عن الثقة داخل الدولة نفسها.
