انسحاب غانتس من الانتخابات الإسرائيلية يرفع احتمالية الحسم

بحسب ما هو معروف في الانتخابات الإسرائيلية يمكن لبضعة آلاف من الأصوات التي تمثل جزءاً صغيراً من النسبة المئوية أن تغير النتيجة وأن ترفع التفاؤل لدى معارضي الحكومة الحالية، نحو تغيير من شأنه أن ينقذ الدولة العبرية مما ينتظرها من دمار وتدهور أمني متوقع، وهو واقع يتخوف منه الإسرائيليون وتعكسه تصريحات وتهديدات نتنياهو الحالية، التي تشير إلى أن الحرب، التي دخلت عامها الرابع، لن تنتهي مع نهاية العام الحالي، سواء جاءت حكومة تغيير أم استمرت حكومته.

تظهر نتائج استطلاعات الرأي المتغيرة والمتفاوتة بنسب كبيرة وغير مسبوقة في الحملات السابقة للأحزاب الإسرائيلية المتنافسة في انتخابات الكنيست التي ستجري الثلاثاء المقبل، في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وما تشير إليه من عدم قدرة أي من الكتلتين، “اليمين” برئاسة بنيامين نتنياهو، و”التغيير” برئاسة غادي إيزنكوت، على تشكيل الحكومة، مما يدفع بجهات عدة إلى العمل على عدم ضياع الأصوات وإقناع الأحزاب الصغيرة التي تظهر الاستطلاعات احتمال عدم تجاوزها “نسبة الحسم”، بالانسحاب من المعركة الانتخابية.

غير أن حزب “أزرق ابيض” برئاسة بيني غانتس، استدرك الأمر وبعد تعرضه لانتقادات واسعة لسياسته وترهله السياسي وإصراره أولاً على خوض الاستحقاق على رغم ضعفه، اتخذ أخيراً قرار الانسحاب من هذه الانتخابات.

ولم يستهتر الإسرائيليون بهذه الخطوة بل تناولتها جهات عدة بمنتهى الجدية، وحتى اللحظة يشكل هذا الانسحاب ضربة جديدة لكتلة اليمين بزعامة نتنياهو لأن الأصوات التي كانت ستمنح لغانتس، وهي غير قليلة، ستتوزع الآن على مختلف أحزاب التغيير وبالتأكيد لن يذهب صوت منها إلى اليمين.

وقال غانتس عند إعلان انسحابه، “لن أخوض الانتخابات المقبلة، وسأواصل النضال من أجل الوحدة. هذا هو الحل الوحيد الذي يمنع وقوع كارثة أخرى، ويحافظ على إسرائيل في مواجهة جميع التحديات الداخلية والخارجية”.


وعلم أن غانتس قرر الانسحاب من الانتخابات على خلفية ضغط شديد من داخل حزبه من أجل تفادي “حرق الأصوات”. وأفاد التقرير بأنه لم يتلق وعوداً، كما لم يبلغ نتنياهو أو أحزاب المعارضة الصهيونية مسبقاً في شأن قراره الذي اتخذه قبل بدء تصويت الجنود الإسرائيليين.

وبحسب ما هو معروف في الانتخابات الإسرائيلية يمكن لبضعة آلاف من الأصوات التي تمثل جزءاً صغيراً من النسبة المئوية أن تغير النتيجة، وأن ترفع التفاؤل لدى معارضي الحكومة الحالية، نحو تغيير من شأنه أن ينقذ الدولة العبرية مما ينتظرها من دمار وتدهور أمني متوقع، وهو واقع يتخوف منه الإسرائيليون وتعكسه تصريحات وتهديدات نتنياهو الحالية، التي تشير إلى أن الحرب، التي دخلت عامها الرابع، لن تنتهي مع نهاية العام الحالي، سواء جاءت حكومة تغيير أم استمرت حكومته.

لكن تغيير هذه الحكومة قد يفتح نافذة أمام الإسرائيليين ويتيح لهم رؤية ضوء في نهاية النفق، مع احتمال اقتراب الحرب من نهايتها. لذلك، لا يستخف الإسرائيليون بانسحاب بيني غانتس فبحسب استطلاعات الرأي يحصل حزب “أزرق – أبيض” على نسبة تتراوح بين 1.4 في المئة وسبعة في المئة، وهي عشرات آلاف الأصوات، التي قد تلعب دوراً حاسماً في الانتخابات التي تظهر متقاربة النتائج حالياً، هذه الأصوات التي ستذهب لصالح “كتلة التغيير” ستمنحها نقاطاً قد تكون قيمة جداً.

وتذكر هذه الوضعية بحالات سابقة في الانتخابات الإسرائيلية، على سبيل المثال في الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة في عام 1996 خسر شمعون بيرس أمام بنيامين نتنياهو، إذ كان يمكن لـ14 ألف صوت فقط أن تغير النتيجة لو أنها غيرت تصويتها. وفي انتخابات 2019 كان ينقص اليمين الجديد الذي يضم نفتالي بينيت واييلت شكيد 1450 صوتاً من أجل تجاوز نسبة الحسم. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 تم استبعاد “حزب ميرتس” من الكنيست الـ25 في تاريخ إسرائيل، بسبب 4 آلاف صوت كانت تنقصه، وواجهت إسرائيل أربع سنوات هي الأصعب في تاريخها.

وكتب خبير الاستطلاعات شلومو فلبر، قبل 48 ساعة من انسحاب غانتس، تغريدة جاء فيها، “من السابق لأوانه رثاء تحالف أزرق – أبيض، فهو لديه جمهور محافظ ومحبط ومتردد وهو يريد غانتس، فهو يزداد قوة وقد تجاوز نسبة الحسم مرتين في الأسبوع الماضي بصورة مفاجئة”.

حديث فلبر أثار نقاشاً شكك في صدقيته واتهمه بالعمل لصالح نتنياهو، إذ لم تشر الاستطلاعات منذ أكثر من شهر إلى تزايد قوة “أزرق – أبيض”، ولم تظهر تجاوزه نسبة الحسم. وعليه فإن انسحابه يعزز التماسك المحكم آصلاً في كتلة إيزنكوت وشركائه، المستعد تماماً، الذي يقف أمام الشبكة المثقوبة التي نسجها نتنياهو.

انسحاب غانتس من المعركة الانتخابية تزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم نتنياهو، وهو ما يراه سياسيون وخبراء ذا أهمية، لكن بعض هؤلاء أشار إلى أن “الأثر المحتمل لإزالة أوراق الاقتراع لحزب ‘أزرق – أبيض’ عن الرفوف في مراكز الاقتراع، أهم بكثير على نتائج الانتخابات من إعلان ترمب دعمه لمرشح الليكود”.

وترى جهات عدة أن “المسؤولية التي يظهرها غانتس في قرار انسحابه هي موضع ترحيب ولكنها جزئية”، فهو، بحسب تقرير إسرائيلي نشرته صحيفة “هآرتس”، “لم يقدم استقالته من أجل مساعدة إيزنكوت ورفاقه، بل ليتجنب الإحراج عشية الانتخابات. واستمر غانتس في الوقت نفسه في الحديث عن الوحدة مع الحزب الذي فكك ركائز المجتمع الإسرائيلي (الليكود بزعامة نتنياهو)، الذي يتعهد بمواصلة ذلك إذا فاز”.


وكان غانتس أطلق قبل انطلاق الحملة الانتخابية، رسالة تتضمن “أهمية تشكيل وحدة”، أي المقصود “حكومة وحدة وطنية” بين نتنياهو ومنافسه الأقوى غادي أيزنكوت، لكن حتى هذه نجاحها غير مؤكد حتى الآن، خصوصاً في ظل الأجواء الأمنية المتصاعدة التي يثيرها نتنياهو وتولد حالة من الشرخ الداخلي الإسرائيلي واتساع الهوة بين الكتلتين، مع ارتفاع أصوات الإسرائيليين الداعية إلى إنهاء هذه الحرب.

من جهته يواصل نتنياهو تركيز حملته الانتخابية على الملف الأمني، وبعد أقل من 24 ساعة على انسحاب غانتس و48 ساعة على إعلان ترمب دعمه، وصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بطائرة خاصة وبرحلة سرية إلى قاعدة “عوفدا” العسكرية في جنوب إسرائيل، حيث التقى وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، بحضور وزير الدفاع يسرائيل كاتس، إذ جرى بحث تطورات الملف الإيراني، لتتزايد مؤشرات احتمال التصعيد العسكري، وسط تقارير عن مشاورات أميركية – إسرائيلية في شأن احتمال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران.

وتضم هذه القاعدة العسكرية طائرات أميركية للتزود بالوقود ومقاتلات، وعدد كبير من القوات الأميركية الذين التقاهم هيغشيث، كما أن الاجتماع الذي عقد وسط سرية تامة وبحسب مسؤولين إسرائيليين استغرق وقتاً طويلاً من البحث والمناقشات. من جهته، كان وزير الحرب الأميركي قد أعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه زار أفراداً من القوات المسلحة الأميركية في منطقة تابعة لمسؤولية القيادة المركزية.

في موازاة ذلك واصل الجيش الإسرائيلي تكثيف استعداداته لسيناريو تصعيد مفاجئ، في مركزه هجوم إسرائيلي على إيران ومن ثم الرد الإيراني عليه، في ظل تقارير عن استعدادات أميركية – إسرائيلية لاحتمال استئناف الحرب على إيران مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية. وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال عدم حيازة أي من كتلتي الائتلاف الحاكم والمعارضة على الأكثرية، وبالتالي سيصعب على أي منهما تشكيل حكومة جديدة، وهو وضع لا يستبعد أمنيون وسياسيون أن يدفع بنتنياهو، خصوصاً بعد لقائه هيغسيث وما سبقه من مشاورات مع واشنطن، إلى توجيه ضربة ضد إيران كخطوة مدعومة أميركياً تنقذه من مغادرة الحياة السياسية بخسارة فادحة. 

أمال شحادة: انديبندت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *