وساطة ميلانيا ترمب في هدنة بين روسيا وأوكرانيا

تستعد مدينة أوليشكي، جنوبي أوكرانيا، والمحاصرة منذ أشهر بسبب القتال، لهدنة قصيرة تسمح بإدخال المساعدات وإجلاء السكان، في اتفاق توسطت فيه السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب، وتوصل إليه مفاوضون أوكرانيون وروس وأميركيون، الجمعة 23 أكتوبر/ تشرين الأول.

وتقع المدينة تحت السيطرة الروسية في منطقة خيرسون، وقالت ميلانيا ترمب إنها «على شفا كارثة». وأكد مسؤولون من الأطراف الثلاثة التوصل إلى الاتفاق، لكنهم لم يكشفوا تفاصيل كثيرة بشأن آليات تنفيذه.

تقع أوليشكي في منطقة خيرسون الأوكرانية، التي يخضع جزء منها للسيطرة الروسية، على ضفة نهر دنيبرو، الذي يفصل القوات الأوكرانية عن القوات الروسية المسيطرة على المدينة. واستولت القوات الروسية على المدينة في اليوم الأول من الغزو الشامل لأوكرانيا، في فبراير/شباط 2022، وتعرضت مبانيها للقصف والحرائق.

وفي يونيو/حزيران 2023، اجتاحت المياه المدينة بعد انهيار سد كاخوفكا، في انفجار خلص تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس إلى أنه ناجم على الأرجح عن القوات الروسية. وقُتل مئات السكان. وكان عدد سكان المدينة يبلغ نحو 24 ألف نسمة، لكنها تعاني منذ أشهر نقصًا حادًا في الغذاء والإمدادات الطبية، كما انقطعت عنها الكهرباء والتدفئة والمياه الجارية.

وتنتشر الألغام على الطرق المؤدية إلى خارج المدينة، وتصطف السيارات المحترقة على جوانبها، فيما تحلق الطائرات المسيّرة في أجوائها. ومع اقتراب شتاء قاسٍ جديد، يواجه من تبقى من السكان خطر الموت جوعًا أو بسبب الأمراض.

وطالبت أوكرانيا مرارًا بوقف محلي لإطلاق النار لتنظيم عمليات الإجلاء. وبموجب القانون الدولي، تتحمل روسيا، بصفتها قوة احتلال، مسؤولية ضمان حصول المدنيين الخاضعين لسيطرتها على احتياجاتهم الأساسية للبقاء على قيد الحياة.

قال دميترو لوبينيتس، مفوض حقوق الإنسان الأوكراني وكبير مفاوضي بلاده في المحادثات، إن الاتفاق يتضمن 3 مراحل: وقف إطلاق النار، ثم إيصال المساعدات الإنسانية، وبعد ذلك إجلاء المدنيين الراغبين في مغادرة أوليشكي. وأضاف أن إزالة الألغام من الطرق المؤدية إلى المدينة ستسبق دخول المساعدات.

من جانبها، قالت يانا لانتراتوفا، مفوضة حقوق الإنسان الروسية التي شاركت في المفاوضات، إن الخطوة الأولى تتمثل في تحديد احتياجات السكان، ثم إيصال الغذاء والأدوية ومنتجات النظافة وغيرها من المستلزمات الأساسية. وأكدت أن كل من يرغب في مغادرة منطقة القتال سيُضمن له المرور الآمن.

متى تبدأ هدنة أوليشكي وكم تستمر؟

أبلغ لوبينيتس وكالة أسوشيتد برس أن وقف إطلاق النار سيبدأ الثلاثاء، قبل يومين من انطلاق المهمة الإنسانية، وسيستمر عدة أيام. وقال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف، إن القوات الروسية «ستوقف إطلاق النار على محور خيرسون» اعتبارًا من الساعة الرابعة صباح الثلاثاء بتوقيت موسكو، وهو وقت متأخر من مساء الاثنين في الولايات المتحدة.

وأضاف أن القوات الروسية ستجري أيضًا «استطلاعًا هندسيًا»، وستضمن تحرك «القافلة الإنسانية» إلى المدينة بأمان.  طائرة مسيّرة تُسقط طردًا من الإمدادات للمدنيين في مدينة أوليشكي الخاضعة للاحتلال الروسي بمنطقة خيرسون في أوكرانيا، في صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته اللواء 34 المنفصل لمشاة البحرية الأوكرانية «بوريسفين» – أسوشيتد برس

بدورها، قالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الهدنة ستبدأ الساعة الثالثة صباح الثلاثاء بتوقيت كييف، بعدما تؤخر أوكرانيا ساعاتها ساعة واحدة يوم الأحد، في حين لا تغير روسيا توقيتها. وأوضح لوبينيتس أن وقف إطلاق النار سيشمل منطقة خيرسون والمناطق المجاورة الضرورية لتنفيذ العملية.

لم يكشف لوبينيتس تفاصيل بشأن آليات مراقبة الهدنة أو تنفيذ مهمة المساعدات، مشيرًا إلى حساسية المفاوضات، كما رفض الإفصاح عما إذا كانت ميلانيا ترمب ستسافر إلى أوكرانيا. وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن الراغبين في مغادرة أوليشكي سيتمكنون من ذلك، لكنه لم يوضح ما إذا كان سيتم نقلهم إلى مناطق تسيطر عليها روسيا أم أوكرانيا.

وعندما سُئل عن المدة التي ستستغرقها عمليات الإجلاء، قال إنها ستستمر على الأرجح عدة أيام.

وقال لوبينيتس: «ستُنفذ العملية تدريجيًا، ويصعب للغاية تطبيقها». بدأت ميلانيا ترمب التحرك بشأن أوليشكي بعدما سمعت عن الأوضاع في المدينة خلال أحد الفعاليات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، وفقًا للبيت الأبيض.

وأضاف البيت الأبيض أنها عملت مع ممثل لها مباشرة مع القيادتين الروسية والأوكرانية لوضع شروط الاتفاق، بعدما كانت تعمل بالفعل مع مسؤولين من البلدين بشأن قضية منفصلة. وقال لوبينيتس: «عندما علمت ميلانيا ترمب بالوضع في أوليشكي، بدأت عملية التفاوض تحت تنسيقها». وأوضح أن الأطراف أمضت عدة أسابيع في مناقشة الأفكار وتطوير «مقاربات وآليات وأدوات جديدة» لمساعدة المدنيين على البقاء على قيد الحياة.

سيارات مدمرة على طريق سريع خارج مدينة أوليشكي الخاضعة للاحتلال الروسي بمنطقة خيرسون في أوكرانيا- أسوشيتد برس  وأصبح دعم الأطفال في مناطق النزاع إحدى القضايا الرئيسية التي تركز عليها ميلانيا ترمب خلال الولاية الرئاسية الثانية لزوجها. واستضافت في وقت سابق من العام الجاري اجتماعًا لمجلس الأمن الدولي بشأن هذه القضية.

وفي العام الماضي، كتبت إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن الجهود الرامية إلى لم شمل الأسر والأطفال الذين وصفتهم بأنهم «نازحون بسبب الحرب». وقال مارك بيكمان، كبير مستشاريها، إنها ساعدت في لم شمل نحو 3 عشرات من الأطفال.

من جانبه، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قادة دول عدة إلى المساعدة في إعادة الأطفال الذين يقول إن روسيا نقلتهم من أوكرانيا بعد بدء الغزو عام 2022. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية عام 2023 مذكرة اعتقال بحق بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، متهمة إياه بالمسؤولية الشخصية عن عمليات نقل أطفال من أوكرانيا.

يأتي الاتفاق في وقت بلغت فيه التوترات بين إدارة ترمب والحكومة الأوكرانية مستويات جديدة، وسط خلافات بشأن الدعم العسكري والتكنولوجي الأميركي لكييف. وواجهت أوكرانيا قيودًا على نظام الإنترنت عبر الأقمار الصناعية الذي تعتمد عليه للتصدي للهجمات الروسية، فيما أرسل ترمب ومسؤولون أميركيون كبار رسائل متضاربة بشأن المسؤولية عن تقليص خدمات نظام «ستارشيلد» الذي طورته شركة إيلون ماسك.

كما أعفى ترمب روسيا مؤخرًا من عقوبات جديدة، وتوصل إلى اتفاق مع موسكو لاستيراد وقود الديزل، وضغط على زيلينسكي للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. وفي إطار جهود متجددة لإحياء عملية السلام، سافر مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، إلى النرويج هذا الأسبوع لإجراء محادثات مع زيلينسكي، قبل لقاء بوتين في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية.

ولم يشر زيلينسكي إلى الهدنة في أوليشكي خلال مشاركته عن بُعد، الجمعة، في فعالية نظمها معهد هدسون، وهو مركز أبحاث في واشنطن، لكنه أشار إلى أن صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة «باتريوت» الأميركية لا تزال معلقة. كما تحدث عن أهمية الولايات المتحدة في الجهود الدبلوماسية المتجددة لإنهاء الحرب، بما في ذلك احتمال عقد اجتماع مشترك مع ترمب وبوتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *