
لم تكن إيران تعلم بموعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها وجدت نفسها خلال الأيام التالية أمام حرب لم تختر توقيتها، قبل أن تقود تداعياتها خلال ثلاثة أعوام إلى واحدة من أكبر عمليات المراجعة لعقيدتها الأمنية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.
ويكشف مصدر عربي قريب من الدوائر الإيرانية لـ”إرم نيوز”، أن المراجعات التي أجرتها القيادة الإيرانية بعد سلسلة الحروب والضربات التي تعرضت لها إيران وحلفاؤها، انتهت إلى إعادة النظر في جزء أساسي من إرث قاسم سليماني حول هامش الاستقلال الذي تتمتع به الفصائل الحليفة في القرارات التي يمكن أن تقود إلى حرب إقليمية.
وبحسب المصدر، باتت القاعدة التي تتبلور داخل طهران تقوم على أن الاستقلال العملياتي للحلفاء يمكن أن يستمر، لكن قرار الحرب الكبرى يجب أن يعود إلى المركز الإيراني؛ بعدما أثبتت تجربة 7 أكتوبر أن عملية لا تعرف إيران توقيتها تستطيع في النهاية جر المعركة إلى أراضيها.
يقول المصدر إن التحقيقات التي قادتها أجهزة أمنية إيرانية خلصت إلى أن حركة حماس تعمدت حصر المعرفة بساعة الصفر وحجم العملية في دائرة شديدة الضيق، ولم تطلع طهران أو حزب الله على التفاصيل النهائية.
وتعاملت إيران بداية مع ذلك بوصفه نجاحًا في تحقيق المفاجأة ضد إسرائيل، لكن التقييم تغير سريعًا. فمع وصول التعزيزات العسكرية الأمريكية إلى المنطقة، بدأ القلق من أن الرد الإسرائيلي لن يقتصر على استعادة الردع في غزة، وأن إيران قد تجد نفسها مطالبة بإدارة حرب إقليمية لم تستعد لها.
ومن هنا، بحسب المصدر، ظهر خلاف داخل الحرس بشأن حزب الله؛ إذ دفع اتجاه نحو إدخاله بكامل قوته الصاروخية لتخفيف الضغط عن غزة، بينما حذر اتجاه آخر من “حرق” أهم أوراق الردع الإيرانية. وحُسم النقاش لمصلحة الخيار الثاني بتوجيه من علي خامنئي.
فحزب الله، في العقيدة الإيرانية، لم يكن مجرد قوة لمواجهة إسرائيل في لبنان، بل درعًا استراتيجيًا يفترض أن يرفع كلفة أي هجوم على إيران نفسها. ولهذا دعمت طهران “جبهة الإسناد”، مع الإصرار على إبقائها دون مستوى الحرب الشاملة، وهو ما يتطابق مع قراءات منشورة خلال الحرب أشارت إلى أن الأولوية الإيرانية كانت تجنب المواجهة المفتوحة واستيعاب التصعيد الإسرائيلي.
المفارقة أن السيناريو الذي حاولت إيران تجنبه هو الذي تحقق لاحقًا. فقد تلقى حزب الله ضربات غير مسبوقة، وخسر جزءًا كبيرًا من قيادته العليا، بينما انتقلت المواجهة تدريجيًا من ساحات “الدفاع المتقدم” إلى الأراضي والمصالح الإيرانية نفسها.
ويقول المصدر إن هذه النتيجة دفعت دوائر الحرس إلى طرح سؤال كان يصعب طرحه في عهد سليماني: هل ما زالت شبكة الحلفاء تحمي إيران، أم يمكن أن تصبح في بعض الظروف طريقًا لاستدراج الحرب إليها؟
ولعقود، قامت فلسفة سليماني على إبقاء خطوط الدفاع بعيدة عن الحدود الإيرانية؛ في لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن. لكن التجربة التي بدأت في 7 أكتوبر أظهرت، وفق المصدر، أن امتلاك شبكة واسعة لا يضمن السيطرة على اللحظة التي تبدأ فيها الحرب. وبذلك لم يعد النقاش يتعلق بالتخلي عن الحلفاء، وإنما بإعادة تعريف العلاقة معهم ومن يمتلك قرار التصعيد النهائي.
أما الضربة التي تصنفها المراجعات الإيرانية باعتبارها الأخطر، وفق المصدر، فهي سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فسوريا كانت أكثر من حليف سياسي؛ كانت الحلقة الجغرافية التي تربط العراق بلبنان، والممر الذي سمح لطهران لعقود بنقل السلاح والخبرات إلى حزب الله.
ويصف الباحث السياسي محمد صالح الفتيح سقوط الأسد بأنه تطور أصاب “محور المقاومة” بالشلل وقطع الصلة البرية بين إيران ولبنان وحرم طهران من جزء من قدرات التصنيع العسكري التي كانت متاحة على الأراضي السورية.
ويقول المصدر الإيراني إن خسارة الطريق السوري أجبرت الحرس على إعادة بناء منظومة الإمداد على أساس مختلف، من خلال مسارات أكثر تعقيدًا عبر العراق، ومحاولات بحرية عالية المخاطر، والأهم زيادة الاعتماد على نقل المعرفة بدل نقل السلاح.
ولهذا أصبح التصنيع المحلي داخل لبنان، خاصةً للمسيّرات والذخائر والصواريخ الأقصر مدى، أحد البدائل التي تراهن عليها طهران لتعويض فقدان الممر السوري. لكن المصدر يقر بأن إعادة حزب الله إلى قدراته التي كان يمتلكها عشية 7 أكتوبر باتت أكثر صعوبة في ظل فقدان العمق السوري وتشديد الرقابة على طرق الإمداد.
لا تعني المراجعة الإيرانية نهاية مشروع سليماني. فالشبكة ما تزال قائمة، والفصائل العراقية والحوثيون يحتفظون بقدرات عسكرية، كما أن إيران نفسها تملك ترسانة صاروخية كبيرة وبنية عسكرية مستقلة.
لكن ما انتهى، وفق المصدر، هو الاعتقاد بأن الجغرافيا الممتدة من إيران إلى المتوسط محصنة، وأن شبكة الحلفاء تستطيع إبقاء الحروب بعيدًا بصورة دائمة عن الأراضي الإيرانية. كما تراجعت القناعة بإمكان ترك هامش واسع للحلفاء في قرارات قد تغير مستوى الصراع بأكمله.
ويرى الباحث محمد صالح الفتيح أن التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر كشفت مفارقة جوهرية في العقيدة الإيرانية؛ فالمنظومة التي أنشأتها طهران لإبعاد الحرب عن أراضيها ساهمت في النهاية في انتقال المواجهة نحو إيران نفسها.
ويشير الفتيح إلى أن سياسة “الدفاع المتقدم” الإيرانية تحولت إلى “ارتداد استراتيجي” جر البلاد إلى مواجهة حاول النظام طويلًا تجنبها. كما يرى أن خسارة سوريا أصابت البنية الجغرافية للمحور في نقطة شديدة الحساسية، لأنها قطعت طريق إيران البري إلى لبنان.
وبحسب هذه القراءة، فإن المشكلة التي كشفها 7 أكتوبر ليست في وجود شبكة الحلفاء بحد ذاتها، بل في التناقض بين امتلاك إيران شبكة إقليمية واسعة وبين قدرتها على التحكم بالقرارات التي يمكن أن تحدد مصير الشبكة وإيران معًا.
وبعد ثلاثة أعوام، لا تبدو طهران بصدد تفكيك إرث سليماني، لكنها تحاول إعادة ضبطه من خلال الاحتفاظ بالأذرع، وتقليص استقلال القرار، وإعادة زر الحرب إلى يد المركز الإيراني.
إرم نيوز
