
يتجه الساحل الشمالي المصري نحو تحول واسع من وجهة صيفية تعتمد أساسًا على المصطافين المحليين إلى مركز دولي للسياحة والاستثمار العقاري، مدفوعًا بمشروعات بمليارات الدولارات تقودها صناديق سيادية ومطورون من الخليج، بالتوازي مع استثمارات حكومية في الطرق والمطارات ومدينة العلمين الجديدة لدعم الإقامة والنشاط على مدار العام.
وقبل عقود، كان الطريق غرب الإسكندرية يمتد وسط الصحراء بمحاذاة البحر المتوسط، تتخلله بيوت حجرية بدوية ونصب تذكارية لجنود بريطانيين وإيطاليين وألمان قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، قبل الوصول إلى مرسى مطروح على بعد نحو 260 كيلومترًا، وتحول الساحل تدريجيًا إلى مصيف للأثرياء المصريين، وارتفعت أسعار بعض مناطقه حتى أطلق على امتداده الغربي المكلف لقب “الساحل الشرير”.
تضخ صناديق الثروة السيادية في أبوظبي وقطر، إلى جانب شركة “إعمار” التي تتخذ من دبي مقرًا لها، مليارات الدولارات في مشروعات تضم فنادق ومراسي لليخوت ومراكز تجارية ومدارس ومنشآت صحية، وفقًا لصحيفة “فايننشال تايمز”، الاثنين 5 أكتوبر 2026. وضخت الحكومة المصرية استثمارات واسعة في البنية التحتية بهدف تحويل المنطقة إلى وجهة قابلة للحياة طوال العام.
وفي 2024، دفعت أبوظبي 35 مليار دولار مقابل حقوق تطوير 40.6 ألف فدان في رأس الحكمة، وهي مساحة تعادل نحو 1.7 مرة مساحة برشلونة، في أكبر استثمار أجنبي بتاريخ مصر، وتخطط “مدن القابضة” لإقامة مرافق سياحية ومارينا ومطار ومناطق استثمارية وحرة، إلى جانب 310 آلاف منزل تستوعب في النهاية نحو مليوني نسمة.
في 2025، دخلت “الديار القطرية”، المملوكة لصندوق الثروة السيادي القطري، على خط المشروعات الكبرى باستثمار قيمته 30 مليار دولار لتحويل منطقة علم الروم إلى وجهة فاخرة تعمل طوال العام.
كما تعاونت مجموعة طلعت مصطفى مع الدولة في مشروع “ساوث ميد” باستثمارات تبلغ 21 مليار دولار.
وأطلق المشروع في 2024 من خلال حملة إعلانية باللغة الإنجليزية تصدرها الممثل سيلفستر ستالون، فيما روجت له المجموعة باعتباره وجهة عالمية جديدة على البحر المتوسط.
بدأت أعمال الإنشاء وعمليات البيع على المخطط في المراحل الأولى من المشروعات الثلاثة العملاقة، غير أن حجمها الكبير يضعها أمام مخاطر مرتبطة بالتنفيذ، إلى جانب احتمالات التأثر بالتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
على خلاف شرم الشيخ والأقصر، اللتين تستقبلان السياح الأجانب منذ عقود، ظل الساحل المتوسطي يعتمد بصورة شبه كاملة على المصريين، إلا أن السوق بدأت تشهد ظهور شريحتين جديدتين هما الزوار الخليجيون وسياح الترفيه الدوليون، خصوصًا الأوروبيين.
ويراهن المستثمرون على أن المشروعات الجديدة ستغير نموذجًا اقتصاديًا يعتمد على موسم صيفي قصير؛ إذ تفتح المطاعم والمتاجر الراقية أبوابها خلال يونيو، قبل أن يتراجع معظم النشاط بحلول منتصف سبتمبر مع مغادرة المصطافين.
يقدم منتجع “مراسي” التابع لإعمار نموذجًا لما قد يصبح عليه الساحل، إذ يمتد على واجهة بحرية بطول 6.5 كيلومتر ويضم نحو 8 آلاف منزل و12 فندقًا فاخرًا، بينما يمكن أن تتجاوز تكلفة الليلة في ذروة الصيف ألف دولار.
ويضم المنتجع مارينا تحيط بها عشرات المطاعم والمتاجر الفاخرة، ووصف رجل أعمال كويتي يدعى علي، كان يقضي إجازته مع أطفاله، الشواطئ بأنها من أنظف وأجمل الشواطئ التي شاهدها، مشيرًا إلى أن أسرته تقضي ساعات طويلة يوميًا في البحر.
بلغت نسبة غير المصريين من نزلاء فنادق مراسي في أواخر أغسطس نحو 65%، وكانوا تقريبًا جميعًا من دول الخليج، بحسب رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس إعمار وعضوها المنتدب، الذي أوضح أن هذا النوع من الزوار يتميز عادة بارتفاع الإنفاق وطول مدة الإقامة.
لكن حضور الخليجيين في سوق شراء الوحدات السكنية لا يزال أقل من حضورهم الفندقي، إذ تراوحت نسبة الوحدات التي بيعت لمواطنين خليجيين بين 10% و15% فقط، ويرى العبار أن السوق لا تزال في بدايتها، وأن كثيرًا من الخليجيين لم يكتشفوا طبيعة الساحل وطقسه إلا خلال السنوات العشر الماضية.
تسعى إعمار إلى كسر ارتباط مراسي بالموسم الصيفي، إذ تعمل 3 فنادق داخل المنتجع طوال العام، كما دفع العبار المتاجر في المارينا إلى الاستمرار في العمل خلال أكتوبر بدلًا من الإغلاق بعد نهاية الصيف. ولتشجيع التجار على الاستمرار، عرضت إعمار على المحال التي تفتح أبوابها خلال الموسم الممتد إعفاءات من الإيجار، مع ربط تجديد عقود الإيجار بالالتزام بالعمل، واستجاب جميع المتاجر تقريبًا، باستثناء متجر واحد قررت الشركة إنهاء عقده.
قد تمتد مكاسب المشروعات الجديدة إلى المنتجعات القائمة والمشروعات الأصغر المجاورة، ويعول منتجع “رملة”، الواقع بالقرب من مشروع “مدن” في رأس الحكمة، على الاستفادة من وجود مدينة متكاملة تضم خدمات وفرص عمل وإقامة على مدار السنة.
مع ذلك، يتطلب الحفاظ على تدفق الزوار بعد انتهاء موسم الشواطئ زيادة عدد الفنادق، وتشغيل رحلات جوية منتظمة طوال العام، إلى جانب توسيع شبكة المطاعم وإنشاء مراكز للمؤتمرات ومرافق رياضية قادرة على جذب شرائح مختلفة من الزوار.
يراهن المستثمرون أيضًا على قرب الساحل من المقاصد السياحية المصرية التقليدية لتعزيز جاذبيته أمام الأجانب، ويرى محمد العبار أن السائح يستطيع قضاء 3 أو 4 أيام على الساحل ثم التوجه لزيارة الأهرامات قبل العودة لاستكمال إجازته على البحر المتوسط.
