أوروبا ترفع مستوى التأهب أمام التهديد الروسي

دخلت التحذيرات الفرنسية من تصاعد التهديد الروسي مرحلة جديدة، بعدما عقد الرئيس إيمانويل ماكرون، في 18 أيلول/سبتمبر، اجتماعاً غير اعتيادي مع قادة الأحزاب والمرشحين للانتخابات الرئاسية، بحضور مسؤولي أجهزة الاستخبارات والدفاع والأمن القومي الفرنسية. وقدّم رؤساء الأجهزة تقييما سرياً لتطور الحرب في أوكرانيا وطبيعة التهديدات التي تواجه فرنسا وأوروبا

اللافت في التقييم الفرنسي ليس إعلان موعد لحرب روسية مع أوروبا، وإنما التحذير من تغير طبيعة النشاط الروسي. وقال ماكرون إن “طبيعة العدوان الروسي والتهديدات في أوروبا تتغير”، مشيراً إلى تكاثر الهجمات السيبرانية، ومحاولات التخريب، والتوغلات الجوية، واستخدام الطائرات المسيّرة، وغيرها من الأعمال التي تصنفها باريس ضمن الحرب الهجينة. وأعلن الرئيس الفرنسي أن الحكومة ستعد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمنشآت الحساسة، بما فيها مواقع الصناعة الدفاعية، من هجمات المسيّرات والعمليات السيبرانية.

وتكتسب التحذيرات الفرنسية أهمية إضافية في ضوء تقارير إعلامية، تحدثت عن إعادة تقييم داخل بعض الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية للجدول الزمني المحتمل لقدرة روسيا على تنفيذ عمل عسكري أو تصعيد واسع ضد دول أوروبية. غير أن “خريف 2027” لا يمثل، وفق ما هو منقول عن التقارير الاستخباراتية الفرنسية، حتى الآن موعداً محددا لحرب روسية مع فرنسا أو حلف شمال الأطلسي، بل يرد في سياق تقديرات وسيناريوهات أمنية تتعلق بالفترة التي قد تصبح فيها موسكو قادرة أو مستعدة لاختبار دفاعات الدول الأوروبية.

وفي باريس، تبدو الأولوية الحالية هي الاستعداد لما تسميه السلطات الحرب الهجينة. فقد أشار ماكرون إلى حوادث وقعت خلال الأسابيع الأخيرة في عدد من الدول الأوروبية، من بينها محاولة هجوم بطائرة مسيّرة قرب مطار لايبزيغ الألماني، وتوغلات جوية في دول أوروبية، وأعمال وصفها بأنها معادية للمصالح الأوروبية. وقال إن فرنسا تعرضت بالفعل لهجمات معلوماتية وسيبرانية وهجمات مادية نسبت أجهزة الأمن بعضها إلى جهات روسية.

لكن التحذير الفرنسي لا يقف عند حدود أوروبا الغربية. ففي الجناح الشرقي لحلف الأطلسي، تتعامل دول البلطيق مع احتمال امتداد الصراع الروسي ـ الأوكراني إلى أراضي الحلف، باعتباره سيناريو يجب الاستعداد له يوميا، حتى ان ليتوانيا واستونيا وبولندا أعلنت حالة التأهب القصوى تحسبا لهجوم روسي.

في ليتوانيا، أصبح تعزيز حماية البنية التحتية جزءا من سياسة أمنية واسعة. وتظهر محطة الكهرباء في مدينة أليتوس، جنوب البلاد، نموذجاً لهذا الاستعداد، إذ تحيط بها حواجز إسمنتية وأسلاك وحماية مخصصة لمواجهة المسيّرات، فيما تحتفظ السلطات بمخزونات من المعدات وقطع الغيار تحسباً لتعطل الشبكة في حال تعرضها لهجوم أو تخريب. وكانت فيلنيوس قد خصصت منذ 2024 نحو 150 مليون يورو على مدى خمس سنوات لتعزيز مرونة شبكة الكهرباء.

وتكتسب هذه الإجراءات بعداً إضافياً في ظل موقع ليتوانيا الجغرافي وتاريخها مع روسيا. وفي أيلول/سبتمبر الجاري، أسقطت مقاتلة إيطالية تابعة لمهمة الدفاع الجوي لحلف الأطلسي في البلطيق طائرة مسيّرة من طراز “غيربيرا” داخل المجال الجوي الليتواني. وقال الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا إن الطائرة كانت على الأرجح متجهة إلى أوكرانيا وانحرفت عن مسارها نتيجة الحرب الإلكترونية، مؤكداً في الوقت نفسه أن الوضع الأمني العام في البلاد لم يتغير، مع استمرار احتمال وقوع حوادث أو أعمال تخريب أو عمليات استفزاز.

ولا تقتصر المخاوف على ليتوانيا. فقد حذّر مسؤولون أوروبيون في الأسابيع الأخيرة من أن روسيا قد تستخدم مزيجاً من الهجمات السيبرانية والتخريب والمسيّرات وعمليات التأثير السياسي لاختبار قدرة الحكومات الأوروبية على الرد. وفي بولندا ودول البلطيق خصوصاً، يُنظر إلى البنية التحتية للطاقة والسكك الحديدية والاتصالات والمنشآت العسكرية باعتبارها نقاطاً حساسة في أي مواجهة مستقبلية.

وتزامن ذلك مع تصاعد المخاوف من احتمال اختبار روسي محدود لالتزام حلف الأطلسي بالدفاع الجماعي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة غزواً تقليدياً واسعاً. وتورد تقديرات وتحليلات عسكرية سيناريوهات تتراوح بين هجمات جوية أو بمسيّرات، وعمليات تخريب، وصولاً إلى توغل محدود في إحدى دول البلطيق بهدف اختبار آلية الرد الأطلسية. لكن هذه السيناريوهات تظل تقديرات وتحليلات وليست معلومات مؤكدة عن قرار روسي بشن هجوم.

وفي المقابل، تؤكد موسكو أنها لا تستعد لمهاجمة دول أوروبا. ونفى الكرملين، الاثنين، الاتهامات الفرنسية المتعلقة بالسلوك الروسي، وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن روسيا “لا تهدد فرنسا أو أي دولة أوروبية“.

وبينما لا توجد وثيقة فرنسية منشورة تعلن أن حرباً ستبدأ في خريف 2027، فإن الرسالة التي تخرج من باريس وفيلنيوس وبرلين ووارسو تبدو أكثر تحديدا: الحكومات الأوروبية تستعد لمرحلة قد تصبح فيها المواجهة مع روسيا أكثر مباشرة، سواء عبر حرب هجينة وتصعيد في الفضاء السيبراني والبنية التحتية، أو عبر اختبار عسكري محدود للجناح الشرقي لحلف الأطلسي.

ولهذا تتحرك فرنسا لحماية منشآتها الحيوية، فيما تعزز ليتوانيا صمود شبكاتها الكهربائية والدفاع الجوي، وتعيد دول البلطيق وبقية أعضاء الناتو تقييم خطط الطوارئ. أما تاريخ 2027، فيبقى في الوقت الراهن نافذة زمنية تقديرية لدى بعض الأجهزة الأمنية، وليس موعداً مقرراً للحرب.مونت كارلو الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *