
توفي الجمعة المغني والموسيقي المغربي عبد الوهاب الدكالي عن عمر يناهز 85 عاما، وفق ما أفادت وكالة الأنباء المغربية نقلا عن مقربين منه، وأكدت وسائل إعلام محلية أنه توفي داخل مصحة بمدينة الدار البيضاء عقب خضوعه لعملية جراحية، فيما ذكرت مصادر عائلية أنه كان قد نُقل إلى قسم الإنعاش قبل أيام من وفاته. وأعلنت وكالة المغرب العربي للأنباء أن الموسيقار عبد الوهاب الدكالي رحل اليوم الجمعة في الدار البيضاء، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، ترك خلالها بصمة عميقة في تاريخ الأغنية المغربية والعربية.
وُلد الدكالي سنة 1941 بمدينة فاس داخل أسرة مكونة من ثلاثة عشر طفلا، ونشأ في بيئة ثقافية غنية بالفنون الشعبية والأندلسية، ومنذ طفولته، أبدى شغفا بالموسيقى والمسرح والرسم، قبل أن يتلقى دروسا في هذه المجالات، ما أسهم في تكوين شخصيته الفنية المتعددة.
بدأ مشواره الفني أواخر خمسينيات القرن الماضي، حيث التحق بالإذاعة الوطنية، قبل أن يسجل أولى أعماله سنة 1959، من بينها أغنية “مول الخال” و”يا الغادي في الطوموبيل” التي حققت انتشارا واسعا داخل المغرب، ومع بداية الستينات، رسخ مكانته الفنية بأغنية “ما أنا إلا بشر” التي شكّلت انطلاقته الكبرى نحو الشهرة العربية.
ويُعد عبد الوهاب الدكالي أحد أبرز رواد الأغنية المغربية الحديثة، إذ لقّب بـ”عميد الأغنية المغربية”، ونجح في تطوير الأغنية المغربية عبر مزج الأصالة المحلية بروح موسيقية حديثة، مستفيدًا من الزجل المغربي والعربية الفصحى، ومنفتحا على التأثيرات العربية والغربية.
ومن أشهر أعماله الغنائية: “ما أنا إلا بشر” وهي تأمل في الحالة الإنسانية وأدتها المغنية اللبنانية الراحلة صباح، و”كان يا ما كان” وهي نشيد شعري خالد، و”مرسول الحب” وهي أغنية رومانسية حققت نجاحا عالميا وأداها العديد من الفنانين، إضافة إلى أغاني مثل “أغار عليك”، و”سوق البشرية” وهي عمل ذات طابع روحي، “الدار المهجورة”، و”بلغوه سلامي”.
وقد تحوّلت أغنيات عبد الوهاب الدكالي، مثل “يا الغادي في الطوموبيل” و”مرسول الحب” و”الثلث الخالي” و”كان يا ما كان”، إلى جزء أصيل من الذاكرة الجماعية المغربية، تداولتها أجيال متعاقبة في البيوت والمناسبات واللقاءات العائلية، لتغدو أكثر من مجرد أعمال موسيقية، إنما علامات ثقافية راسخة في الوجدان الشعبي.
وقد تميزت هذه الأعمال ببساطة لغتها وعمق ألحانها وسلاسة إيقاعها، إلى جانب قدرتها على عكس الروح المغربية الشعبية بصدق ودفء، ما منحها قدرة استثنائية على الاستمرار والصمود أمام تغيّر الأذواق الفنية وتبدّل الاتجاهات الموسيقية عبر العقود.
وعلى امتداد أكثر من خمسين عاما، ظل عبد الوهاب الدكالي حاضرا بقوة في المشهد الفني المغربي والعربي، محافظا على مكانته كأحد أبرز أعمدة الأغنية المغربية الحديثة، رغم بروز أجيال جديدة من الفنانين وتطور المشهد الموسيقي.
وقد حازت بعض أعماله جوائز مرموقة، من بينها الجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة سنة 1997 عن أغنية “سوق البشرية”، والجائزة الكبرى لمهرجان المحمدية سنة 1985 عن “كان يا ما كان”، وجائزة مهرجان مراكش سنة 1993 عن “أغار عليك”، إضافة إلى تكريمات دولية من بينها تكريم من الفاتيكان.
وامتازت مسيرة الدكالي بحضوره المسرحي المميز، حيث كان يعزف على العود ويتفاعل مع الكلمات على الخشبة، كما كان ملحنا لمعظم أعماله، ما جعله من أبرز المجددين في الموسيقى العربية الحديثة.
ولم تقتصر مسيرته على الغناء، إذ خاض تجارب سينمائية في المغرب ومصر، وشارك في أفلام من بينها “الحياة كفاح”، “رمال من ذهب”، “خفايا”، و”في البحث عن زوج امرأتي”، كما ألّف موسيقى تصويرية لعدد من الأعمال السينمائية.
وقد أقام فترة في القاهرة مطلع ستينات القرن الماضي، حيث التقى بعدد من كبار الفنانين العرب، ما أسهم في توسيع تجربته الفنية.
كما كان الراحل فنانًا تشكيليا، مولعا برسم البورتريهات وجمع الأعمال الفنية، وعرض جزءا من أعماله في معارض مختلفة، واحتفظ بمجموعة فنية خاصة داخل مقر إقامته في الدار البيضاء.
وخلال مسيرته، حصد عبد الوهاب الدكالي العديد من الجوائز والتكريمات، كما اختير أفضل شخصية في العالم العربي سنة 1991 في استفتاء أجرته مجلة “المجلة”، تقديرا لمكانته الفنية وتأثيره في المشهد الموسيقي العربي.
هذا وأعربت وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية عن حزنها لرحيل الفنان، واصفة إياه بأنه “أحد أعمدة الأغنية المغربية وروادها الذين أسهموا لعقود في إغناء الساحة الفنية الوطنية بأعمال خالدة بصمت الوجدان المغربي والعربي”.
كما نعى المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة الراحل، وتوالت رسائل التعزية من فنانين وشخصيات ثقافية مغربية وعربية.
وبرحيل عبد الوهاب الدكالي، يفقد المغرب والعالم العربي أحد أبرز أعلامه الموسيقيين الذين ساهموا في صياغة هوية الأغنية المغربية الحديثة، غير أن أعماله ستظل حاضرة في الذاكرة الفنية العربية، شاهدة على مسيرة فنان جمع بين الأصالة والتجديد وترك إرثا موسيقيا ممتدا عبر الأجيال.
