اليوم ذكرى نياحة البابا شنودة الثالث الـ١٤ البابا شنودة الثالث

في كل عام، ومع حلول ذكرى نياحة قداسة البابا شنودة الثالث، يستعيد الأقباط في مصر والعالم سيرة راعٍ استثنائي، لم يكن مجرد بطريرك للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل كان أبًا ومعلمًا وصوتًا للحكمة في أوقات كثيرة من  تاريخ الكنيسة والوطن.

وفي الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، تبقى كلماته ومواقفه وخدمته شاهدًا حيًا على رحلة طويلة من الإيمان والعمل والرعاية. ولد البابا شنودة الثالث باسم نظير جيد روفائيل في الثالث من أغسطس عام 1923، ونشأ في بيئة بسيطة شكلت ملامح شخصيته الإنسانية القريبة من الناس.

منذ شبابه المبكر، انجذب إلى الحياة الروحية وخدمة الكنيسة، فكان طالبًا متفوقًا في كلية الآداب قسم التاريخ بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، كما عمل مدرسًا للغة العربية قبل أن يكرس حياته بالكامل للخدمة الكنسية. اختار الطريق الرهباني مبكرًا، فالتحق بدير السريان بوادي النطرون عام 1954، حيث عُرف باسم الراهب أنطونيوس السرياني.

وفي حياة الرهبنة، ظهرت ملامح شخصيته المتأملة والعميقة، إذ جمع بين الدراسة الروحية والكتابة والتأمل، حتى صار أحد أبرز الأصوات الروحية في الكنيسة. وفي عام 1962، سيم أسقفًا للتعليم باسم الأنبا شنودة، ليبدأ فصلًا جديدًا في خدمته. كانت تلك المرحلة علامة فارقة في تاريخ الكنيسة القبطية، إذ قاد نهضة تعليمية وروحية واسعة، خاصة من خلال

اجتماعات الشباب ومحاضراته الأسبوعية التي كانت تمتلئ بالآلاف في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.

وعندما جلس على الكرسي المرقسي بطريركًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية عام 1971، أصبح البابا رقم 117 في سلسلة باباوات الإسكندرية.وخلال أكثر من أربعة عقود من رعايته، قاد الكنيسة في فترات دقيقة من تاريخ مصر، محافظًا على ثباتها الروحي ودورها الوطني.

لكن ما جعل البابا شنودة الثالث قريبًا من قلوب الناس لم يكن فقط موقعه الكنسي، بل إنسانيته العميقة. فقد عُرف بابتسامته الهادئة وكلماته البسيطة التي تمس القلوب. كان يستمع للجميع: الفقراء، الشباب، الأسر البسيطة، وحتى من يختلفون معه. وكان يقول دائمًا إن “الكنيسة بيت مفتوح لكل إنسان”.

امتدت خدمته أيضًا إلى الكتابة والتعليم، فترك عشرات الكتب الروحية والفكرية التي أصبحت مرجعًا لأجيال كثيرة، كما اهتم ببناء الكنائس وخدمة المهجر، حتى انتشرت الكنيسة القبطية في مختلف أنحاء العالم.

ورغم المسؤوليات الثقيلة التي حملها، ظل البابا شنودة الثالث إنسانًا بسيطًا في حياته اليومية، يحب الشعر والتأمل والصمت، ويحرص على لقاء الناس والاقتراب من همومهم. تلك الإنسانية هي ما جعلت كثيرين يصفونه بـ“بابا القلوب”.

في 17 مارس 2012، رحل البابا شنودة الثالث بعد رحلة طويلة من الخدمة والعطاء، لكن حضوره لم يغب عن ذاكرة الكنيسة. فما زالت عظاته تُتداول، وكلماته تُستشهد، وسيرته تُروى للأجيال الجديدة كواحدة من أهم الشخصيات الدينية في تاريخ مصر الحديث. في ذكرى نياحته الرابعة عشر، لا يتذكر الأقباط بطريركًا فقط، بل يتذكرون أبًا روحيًا عاش بينهم، وترك في قلوبهم ميراثًا من الإيمان والمحبة والإنسانية.

وطني: نيفين كميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *