خلايا الاستخبارات الإيرانية في أوروبا تهدد الأمن

مع تصاعد حرب إيران منذ مطلع شهر مارس 2026 واتساع تداعياتها الإقليمية، لم تعد آثارها محصورة ، بل امتدت إلى الداخل الأوروبي، حيث بدأت أجهزة الأمن تطلق تحذيرات متزايدة من احتمال تنامي أنشطة تجسس مرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني، وحدته الخارجية المعروفة باسم فيلق القدس.  أن التصعيد العسكري في المنطقة لا يؤثر فقط في أمن الطاقة والملاحة، بل قد يرفع أيضاً مستوى التهديدات الأمنية داخل القارة، سواء عبر شبكات مراقبة أو عمليات سرية أو أنشطة تستهدف معارضين ومؤسسات حساسة.

بدأت التحذيرات الرسمية الأوروبية من النشاط الاستخباراتي المرتبط بإيران منذ سنوات، حيث أشار جهاز الاستخبارات والأمن العام في هولندا في تقرير صدر عام 2013  إلى وجود نشاط يستهدف معارضين إيرانيين داخل أوروبا، مع اعتماد أساليب تشمل وسطاء محليين وأفراداً من الجاليات.  وقد شكل هذا التقرير إحدى أولى الإشارات الرسمية إلى نشاط شبكات يُعتقد ارتباطها بجهات أمنية إيرانية تعمل خارج البلاد.

أكد التقرير السنوي الصادر عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور الألماني  في عام 2020،  أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية تواصل نشاطها داخل أوروبا، وأن هذه الأنشطة تستهدف جمع معلومات سياسية وأمنية ومراقبة معارضين إيرانيين في الخارج.  أشار التقرير إلى أن بعض العمليات قد تُنفذ تحت غطاء دبلوماسي أو تجاري أو ثقافي، وهي أساليب استخباراتية معروفة، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً في السنوات الأخيرة مع استخدام شبكات غير مباشرة ووسائل اتصال حديثة. حرب إيران ـ كيف تؤثر خلايا مرتبطة بفيلق القدس على الأمن القومي الأوروبي؟

بلجيكا : كشفت عدة دول أوروبية خلال السنوات الماضية قضايا أمنية مرتبطة بأنشطة يُشتبه بارتباطها بإيران. ففي عام 2018  أعلنت أجهزة الأمن في بلجيكا وفرنسا إحباط مخطط لاستهداف تجمع للمعارضة الإيرانية قرب باريس.  وأسفرت التحقيقات لاحقاً عن إدانة دبلوماسي إيراني كان يعمل في سفارة بلاده في فيينا، في قضية اعتُبرت سابقة في تاريخ العلاقات بين أوروبا وإيران.

الدنمارك : أعلنت السلطات في الدنمارك عام 2028 إحباط مخطط لاغتيال شخصية معارضة إيرانية تقيم على أراضيها، وهو ما أدى إلى توتر دبلوماسي واسع بين كوبنهاغن وطهران، وفتح نقاشاً داخل أوروبا حول تشديد الإجراءات الأمنية المرتبطة بأنشطة استخباراتية أجنبية.

النرويج : أعلنت السلطات في أوسلو في النرويج خلال شهر مارس 2026  اعتقال ثلاثة أشقاء يشتبه بتورطهم في تفجير استهدف مبنى سفارة الولايات المتحدة في أوسلو. وأفادت الشرطة النرويجية أن الانفجار وقع خلال ساعات الفجر باستخدام عبوة ناسفة بدائية، ما أدى إلى أضرار مادية في مدخل القسم القنصلي للسفارة دون وقوع إصابات.  وأكد الادعاء العام أن المشتبه بهم، وهم مواطنون نرويجيون في العشرينات من العمر، يواجهون شبهة تنفيذ “تفجير إرهابي”، حيث يُعتقد أن أحدهم زرع العبوة بينما شارك الآخران في التخطيط للعملية.

ألمانيا : أدانت محكمة ألمانية عام 2018  شخصاً بتهمة التجسس لصالح فيلق القدس، بعد أن قام بمراقبة أهداف يهودية وإسرائيلية داخل البلاد ونقل معلومات عنها.  وأعلنت السلطات الألمانية في عام 2023 توقيف مترجم يعمل لدى القوات المسلحة الألمانية بتهمة التجسس لصالح جهاز مرتبط بإيران، في قضية عكست حساسية المؤسسات العسكرية الأوروبية تجاه أي اختراق أمني محتمل.

أشارت تقارير الادعاء العام الألماني في يوليو 2025، إلى الاشتباه بقيام شخص بمراقبة مواقع ومؤسسات يهودية في برلين بتكليف يُعتقد ارتباطه بجهة خارجية مرتبطة بالأنشطة الإيرانية، ما أعاد تسليط الضوء على ملف الحماية الأمنية داخل المدن الأوروبية الكبرى. أكد جهاز الاستخبارات العسكرية الألماني في فبراير 2026، أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية ما زالت من بين أبرز الجهات التي تنفذ أنشطة تجسسية ضد الجيش الألماني، محذراً من مخاطر قد تطال منشآت عسكرية أو سلامة الجنود في ظل بيئة أمنية متوترة.

وكالة الشرطة الأوروبية : حذرت وكالة الشرطة الأوروبية في مارس2025   من أن التوترات المرتبطة بإيران قد تؤدي إلى تداعيات مباشرة على أمن أوروبا، بما في ذلك ارتفاع خطر الإرهاب والهجمات الإلكترونية والجريمة المنظمة.  وأشارت الوكالة إلى احتمال استغلال الصراع في تنفيذ حملات تأثير أو عمليات مزعزعة للاستقرار داخل القارة، بما في ذلك أنشطة الترهيب والتمويل غير المشروع والهجمات السيبرانية. الخلايا النائمة الإيرانية في أمريكا، الأبعاد،التوقيت وحجم المخاطر؟

في مواجهة هذه التحديات، كثفت الدول الأوروبية تعاونها الأمني وتبادل المعلومات داخل الاتحاد الأوروبي، مع تعزيز آليات الرصد والمتابعة والتصدي لأي نشاط قد يمس الأمن القومي. كما اتخذت بعض الدول إجراءات دبلوماسية أو أمنية مشددة في حالات محددة، في إطار محاولة احتواء التهديدات ومنع تحول القارة إلى ساحة غير مباشرة للصراعات الإقليمية.وتشير هذه التطورات إلى أن ملف الأنشطة المرتبطة بإيران داخل أوروبا تطور عبر سنوات، من تحذيرات استخباراتية مبكرة إلى قضايا قضائية وإجراءات أمنية رسمية.  ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، فأن مستوى اليقظة الأمنية الأوروبية مرشح للبقاء مرتفعاً، في ظل مخاوف من انعكاسات الصراع على الداخل الأوروبي.

في مواجهة التهديدات المرتبطة بالتجسس أو محاولات التأثير الخارجي، تتخذ أجهزة الاستخبارات الأوروبية مجموعة من التدابير الوقائية والتنسيقية لتعزيز الأمن القومي.  وتشمل هذه الإجراءات تكثيف مراقبة الأنشطة المشبوهة، وتعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين الأجهزة الوطنية، إضافة إلى تطوير قدرات الرصد السيبراني لمواجهة الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل.

تعمل بعض الدول على تشديد الرقابة على بعض العناصر المشتبه بها وتعزيز حماية المؤسسات العسكرية والحساسة.  وفي الحالات التي تثبت فيها مخالفات قانونية، يتم اللجوء إلى الإجراءات القضائية أو الدبلوماسية المناسبة، بما يعكس مقاربة تجمع بين الردع الأمني والالتزام بالقانون الدولي.

أن بعض الأنشطة المرتبطة بإيران لا تقتصر على الجوانب السياسية أو الأمنية، بل تمتد أيضاً إلى محاولة الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة داخل أوروبا، خصوصاً في مجالات البحث العلمي والاتصالات والصناعات الدقيقة.  أن هذا الاتجاه يندرج ضمن مساع أوسع لتعزيز القدرات التقنية والعسكرية في ظل العقوبات الدولية المفروضة على إيران.

وفي هذا السياق حذرت تقارير أوروبية في عام 2025 من تصاعد المخاطر السيبرانية، مشيرة إلى احتمال استغلال التوترات الإقليمية لتنفيذ هجمات إلكترونية أو حملات تأثير رقمية قد تستهدف البنية التحتية أو المؤسسات البحثية في أوروبا. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه العالم سباقاً متسارعاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات وتقنيات الاتصالات، وهي قطاعات تُعد ذات أهمية استراتيجية عالية. ولمواجهة هذه التحديات، عززت الدول الأوروبية تعاونها الأمني وتبادل المعلومات داخل الاتحاد الأوروبي، كما طورت قدرات الرصد السيبراني وحماية المؤسسات البحثية والتكنولوجية، في إطار استراتيجية تهدف إلى منع أي نقل غير مشروع للتقنيات الحساسة وضمان أمن الابتكار داخل القارة. مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ ما الذي تعنيه صلاحيات “التحقيق الرقمي” الجديدة؟

في الاتحاد الأوروبي لا توجد وكالة مركزية موحدة لمكافحة التجسس على غرار أجهزة الاستخبارات الوطنية، إذ تبقى مسؤولية الأمن القومي ومكافحة التجسس من صلاحيات الدول الأعضاء وفق معاهدات الاتحاد.  ومع ذلك، طور الاتحاد خلال السنوات الماضية منظومة من الهيئات والمنصات التي تعمل على تنسيق تبادل المعلومات الاستخباراتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول الأوروبية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما في ذلك التجسس والإرهاب والهجمات السيبرانية. ومن أبرز هذه المؤسسات :

مركز الاستخبارات وتحليل الأوضاع في الاتحاد الأوروبي، وهو هيئة تحليلية تابعة لـ مفوضية الشؤون الخارجية الخارجي للاتحاد الأوروبي ومقرها في بروكسل.  ويقوم هذا المركز بتجميع وتحليل المعلومات الاستخباراتية التي توفرها أجهزة الأمن في الدول الأعضاء، ثم إعداد تقارير استراتيجية وتقييمات أمنية تُرفع إلى مؤسسات الاتحاد وصناع القرار الأوروبيين.  ولا يمتلك المركز صلاحيات تنفيذية أو عملياتية، إذ يعتمد في عمله على المعلومات التي تقدمها أجهزة الاستخبارات الوطنية، ويؤدي دور منصة تحليل وتنسيق استخباراتي على مستوى الاتحاد.

“اليوروبول” Europol : تلعب وكالة الشرطة الأوروبية دوراً مهماً في دعم التعاون الأمني داخل القارة.  وتتخذ الوكالة من مدينة لاهاي مقراً لها، وتعمل على مساعدة أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء على مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم السيبرانية، إضافة إلى دعم التحقيقات العابرة للحدود وتبادل المعلومات الأمنية.

المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب : أنشأت الوكالة مراكز متخصصة، من بينها المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب والمركز الأوروبي لمكافحة الجريمة السيبرانية، لتعزيز قدرات التنسيق في مواجهة التهديدات الحديثة.

“نادي بيرن ” Bern Club : وإلى جانب المؤسسات الرسمية للاتحاد الأوروبي، يوجد أيضاً إطار تعاون استخباراتي غير رسمي يعرف باسم “نادي بيرن”، وهو شبكة تجمع أجهزة الاستخبارات في عدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك دول من خارج الاتحاد مثل النرويج وسويسرا.  ويهدف هذا الإطار إلى تبادل المعلومات والتقييمات الأمنية بين الأجهزة الاستخباراتية، خاصة في ما يتعلق بالتهديدات الإرهابية وأنشطة التجسس.

ـ يعتمد الاتحاد الأوروبي في مواجهة التجسس والتهديدات الأمنية على منظومة متعددة المستويات تجمع بين الأجهزة الوطنية للدول الأعضاء، ومؤسسات التنسيق والتحليل الأوروبية، إضافة إلى شبكات التعاون الاستخباراتي غير الرسمية.  ويهدف هذا النموذج إلى تعزيز تبادل المعلومات ورفع مستوى الاستجابة المشتركة للتهديدات، مع الحفاظ على صلاحيات الدول الأعضاء في إدارة ملفات الأمن القومي.

ـ مع استمرار الحرب وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، من المرجح أن تبقى أنشطة الشبكات المرتبطة بإيران في أوروبا ضمن مستوى يقظة أمني مرتفع، خصوصاً في بيئة تتسم بالاستقطاب السياسي وتكثف الحملات السيبرانية ومحاولات التأثير الإعلامي.

ـ أن هذه الأنشطة غالباً ما ترتبط بمحاولات مراقبة معارضين أو جمع معلومات أو تنفيذ عمليات تأثير غير تقليدية، وهي أنشطة قد تتزايد خلال فترات الأزمات الإقليمية . وفي ما يتعلق بالبعثات الدبلوماسية، تشير بعض التقارير إلى أن حالات سابقة تضمنت استخدام غطاء دبلوماسي في عمليات محددة، إلا أن هذه الاتهامات تبقى خاضعة للتحقيقات القضائية والتقييم الأمني لكل حالة على حدة.

من المرجح أن تواصل الدول الأوروبية تعزيز الرقابة القانونية وتوسيع التعاون الاستخباراتي، مع الحفاظ على الإطار الدبلوماسي والقانوني الذي ينظم عمل السفارات وفق اتفاقيات فيينا.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *