
في الثامن عشر من فبراير الماضي شهدت أروقة البرلمان الأوروبي تحركاً سياسياً لافتاً تقوده النائبة الإيطالية “آنا ماريا تشيسينت”، التي طالبت رسمياً بإدراج جماعة الإخوان المسلمين في قائمة التنظيمات الإرهابية. هذا التحرك لا ينطلق من فراغ، بل يأتي تتويجاً لمخاوف أمنية وفكرية متصاعدة في القارة الأوروبية، وتحذيراً من خطر “ناعم “يسعى لتقويض المجتمعات الغربية من الداخل، بعيداً عن ضجيج المتفجرات وصخب العمليات المسلحة.
وعلى الرغم من أنّ إيطاليا لم تشهد في الآونة الأخيرة تهديدات أمنية” خشنة” مباشرة من قبل الجماعة، إلا أنّ التقارير الاستخباراتية والقراءات السوسيولوجية تشير إلى أنّ “الخطر الكامن” يفوق في تأثيره العمليات المنفردة؛ إذ تتبنّى الجماعة استراتيجية طويلة الأمد تقوم على التغلغل الهادئ، وبناء النخب، والاستثمار في قضايا الهوية.
تدرك جماعة الإخوان في الغرب، وفي إيطاليا تحديداً، أنّ المواجهة المباشرة مع أجهزة الدولة الأمنية ستؤدي حتماً إلى تصفية وجودها القانوني والمادي، لذا اعتمدت الجماعة نهجاً يعتمد على “الواجهات المدنية”، (Civil Fronts) ، وهذه الواجهات تعمل تحت مسمّيات براقة مثل “المراكز الثقافية”، و”الجمعيات الخيرية”، و”منظمات حقوق الإنسان”.
ـ الحصانة القانونية: العمل من خلال جمعيات مسجلة رسمياً تلتزم بالقوانين الإجرائية للدولة، ممّا يجعل ملاحقتها أمنياً أمراً معقداً يتطلب أدلة قانونية تتجاوز مجرد الشبهة السياسية.
ـ النفوذ الإيديولوجي الهادئ: داخل هذه الأطر يتم تمرير أدبيات الجماعة وقيمها بصورة تدريجية، ممّا يؤدي إلى تشكّل ما يمكن تسميته بـ “المجتمع الموازي”. هذا المجتمع يعيش داخل إيطاليا بجسده، لكنّه يرتبط وجدانياً وإيديولوجياً بمشروع الجماعة العابر للحدود، وهو ما يصعب رصده بالوسائل الأمنية التقليدية التي تبحث عن “السلاح” ولا تبحث عن “الفكرة”.
إنّ التحذير الذي أطلقته “آنا ماريا تشيسينت” يلامس جوهر الأزمة التي تعاني منها الديمقراطيات الغربية: “الانعزالية الطوعية”. يسعى الإخوان في إيطاليا إلى عزل الجاليات المسلمة عن محيطها القيمي والاجتماعي، وخلق بيئة مغلقة تكون فيها الجماعة هي المرجعية الوحيدة للفرد في شؤونه الدينية والاجتماعية وحتى السياسية.
هذه” المجتمعات الموازية “تمثل خطراً استراتيجياً؛ لأنّها تضعف مفهوم “المواطنة” لصالح “الأمّة” بمفهومها الإخواني الحركي. وبمرور الوقت، تتحول هذه الجيوب إلى مناطق نفوذ يصعب على الدولة اختراقها ثقافياً، ممّا يؤسس لأجيال تعيش حالة من الاغتراب عن المجتمع الإيطالي، وتنظر إلى الدولة باعتبارها طرفاً غريباً أو خصماً يجب الحذر منه.
تُعدّ قضايا الهوية والهجرة منجم الذهب الذي تستغله الجماعة وتوابعها في أوروبا. فمع صعود تيارات اليمين وتصاعد حدة الجدل حول المهاجرين، يقدّم الإخوان أنفسهم كـ “المدافع الوحيد” عن حقوق الأقليات المسلمة.
من خلال هذا الاستثمار تحقق الجماعة مكاسب عدة:
ـ الشرعية المجتمعية البديلة: اكتساب ثقة المهاجرين الجدد عبر تقديم خدمات اجتماعية وقانونية، ممّا يجعل الولاء للجمعية الإخوانية يسبق الولاء لمؤسسات الدولة.
ـ إنتاج نخب شبابية: تسعى الجماعة بذكاء لإنتاج جيل جديد من الشباب الذين يتحدثون اللغة الإيطالية بطلاقة، ويحملون شهادات جامعية مرموقة، ويتغلغلون في الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية. هؤلاء الشباب يمثلون “القوة الناعمة” للجماعة؛ فهم يتبنون خطاباً حقوقياً عصرياً، لكنّه يخدم في جوهره أهداف الجماعة الاستراتيجية في التوسع والتمكين.
ـ أدوات التأثير غير المباشر: عبر هذه النخب تستطيع الجماعة التأثير في الرأي العام الإيطالي، وتوجيه السياسات المتعلقة بالاندماج والهجرة بما يخدم مصالحها وبقاءها.
تدرك قيادات الإخوان في أوروبا أنّ المناخ السياسي العام لم يعد متسامحاً كما كان في السابق، لذا تعتمد الجماعة حالياً ما يمكن تسميته بـ” النشاط منخفض الكثافة”. يتمثل هذا النهج في تجنب أيّ سلوك صدامي أو تصريحات متطرفة قد تسرّع من إجراءات الحظر القانوني.
هذا” الكمون” هو أخطر مراحل العمل الإخواني؛ لأنّه يمنح الجماعة فرصة للنمو تحت الرادار. فالهدف الحالي للإخوان في إيطاليا ليس” الثورة “أو”السيطرة” الفورية، بل هو “البقاء والتجذر” بانتظار لحظات الضعف السياسي أو الأزمات الاجتماعية الكبرى للانقضاض على المشهد. إنّهم يسعون جاهدين لتجنب تصنيفهم منظمة إرهابية من خلال الفصل التكتيكي بين العمل “الدعوي/الاجتماعي” والعمل “العنيف”، رغم أنّ جذورهما الإيديولوجية واحدة.
مطالبة النائبة “تشيسينت” بإدراج الإخوان في قوائم الإرهاب تعكس تحولاً في العقلية السياسية الأوروبية. لم يعد الحديث مقتصرًا على الإرهاب المادي، بل بدأ يشمل التطرف الفكري الذي يمهد الطريق للعنف.
ومع ذلك، تواجه هذه المساعي تحديات قانونية وسياسية، منها؛ التعريف القانوني للإرهاب: فالقوانين الأوروبية تربط الإرهاب عادة بالأفعال المادية العنيفة، بينما يبرع الإخوان في البقاء في” المنطقة الرمادية” بين العمل القانوني والتحريض الإيديولوجي.
كذلك التغلغل في المؤسسات: نجحت الجماعة على مدار عقود في بناء شبكة من التحالفات مع قوى يسارية وليبرالية تحت لافتات “مكافحة الإسلاموفوبيا”، ممّا يجعل أيّ تحرك ضدهم يواجه بمعارضة داخلية بدعوى حماية الحريات الدينية.
مواجهة خطر الإخوان في إيطاليا والغرب لا يمكن أن تقتصر على الأدوات الأمنية فقط. إنّ مطالبة” آنا ماريا تشيسينت” هي خطوة ضرورية، لكنّها يجب أن تُدعم برؤية شاملة تتضمن:
ـ تفكيك البنية الاقتصادية: تتبع مصادر تمويل هذه الواجهات المدنية وتجفيف منابعها.
ـ استعادة السيادة الثقافية: تفعيل برامج اندماج حقيقية تمنع تشكل المجتمعات الموازية، وتدعم الأصوات الإسلامية المعتدلة التي تؤمن بالدولة الوطنية وترفض تسييس الدين.
ـ التعريف بالإيديولوجيا: كشف حقيقة الفكر الإخواني أمام النخب السياسية الغربية، وتوضيح أنّ “الاعتدال الظاهري” هو مجرد تكتيك للمرحلة وليس تغييراً في الجوهر.
إنّ استمرار جماعة الإخوان في العمل عبر واجهات مدنية واستثمارها في قضايا الهوية يمثل قنبلة موقوتة في قلب المجتمع الإيطالي. وما لم تتحرك الدول الأوروبية بجدية لسن قوانين تجرّم “التطرف الفكري المؤسسي”، فإنّ الجماعة ستنجح في خلق جيل موازٍ يهدد السلم المجتمعي وهوية الدولة الوطنية في المدى البعيد.
إنّ مبادرة (فبراير) في البرلمان الأوروبي قد تكون” صافرة الإنذار” الأخيرة، فهل تستجيب الحكومات الغربية قبل أن يكتمل بناء “المجتمع الموازي” الذي لن ينفع معه حظر أو إقصاء؟
رشا عمار
