
بينما تشتدّ الحرب في لبنان، توقّفت العديد من المستشفيات الواقعة في مناطق تتعرض للقصف عن العمل. بالنسبة للمرضى الذين يعانون من حالات مزمنة، كما للطاقم الطبي، فإن كلّ رحلة تنقّل هي مرادف لخطر الموت. توجّهت فرانس 24 إلى مستشفى قلب يسوع قرب بيروت، حيث يستعد هذا المركز الاستشفائي لأسوأ الاحتمالات.
في غرفة مجاورة لقاعة غسيل الكلى الكبيرة، يملأ صوت المولّد الفردي المكان. لقد بدأ جان جلسة غسيل الكلى التي تستمر لثلاث ساعات على الأقل. تعمل المضخّات على تنقية دم الرجل السبعيني وإعادته إلى جسده. مستلقيا على السرير، يبدو أن المريض القادم من منطقة بعلبك، في شرق لبنان، لا يولي اهتماما للأنابيب التي تربط ذراعه اليسرى بالجهاز.
“صعب أن يعاني المرء من مرض مزمن في زمن الحرب، لأننا مضطرون للتنقّل تحت القصف”، يقول الرجل البالغ من العمر 72 عاما. ويوضح “يجب أن أخضع لثلاث جلسات غسيل كلى في الأسبوع”.
يعاني جان من قصور كلوي منذ ثلاث سنوات وشهرين. العدّ دقيق بلا شك، لأن المرض شكّل نقطة تحوّل في حياته، فعدم تلقي العلاج يعني الموت المؤكد.
لكن ما العمل في زمن الحرب؟ فالتنقّل، حتى من أجل الذهاب إلى مرفق صحي، يعني المخاطرة بالتعرّض للقتل. وقد خرج نحو عشرة مستشفيات عن الخدمة، كما أغلِق نحو مئة مركز للرعاية الصحية منذ بداية الحرب بسبب وجودها في مناطق خطرة، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية.
يضيف جان قائلا إن المستشفى الذي يتابع حالته الصحية “ليس مغلقا، لكنه يقع في منطقة تتعرّض للقصف دون توقف. بعض المرضى ما زالوا هناك، أمّا الذين استطاعوا المغادرة فقد غادروا”. وفر جان، الرجل السبعيني، مع عائلته من قرية حوش بردى، في منطقة بعلبك، بعد أن أصدر الجيش الإسرائيلي أمرا بالإخلاء. واشتدّت وتيرة القصف، خصوصا مع وجود مخازن أسلحة وذخائر تابعة لحزب الله مخبأة في هذه القرية التي يقطنها مسيحيون وشيعة. ومثل جان، سلك معظم السكان طريق النزوح.
ويضيف المريض بصوت خافت مفعم بالهدوء: ʺأما الذين بقوا، فلم يكن أمامهم خيار آخر، إذ لم يكونوا يعرفون إلى أين يذهبون، أو لم تكن لديهم الإمكانات المالية للمغادرةʺ.حالف الحظّ جان وعائلته وتمكنوا من استئجار منزل غير بعيد عن مستشفى “قلب يسوع” قرب العاصمة بيروت. وعن استمرارية علاجه، يقول “لم يوجّهنا أحد، فكلّ شخص يتدبّر أمره قدر استطاعته”. مع ذلك تلقّى هذا المستشفى غير الربحي، التابع لرهبنة بنات المحبة للقديس فنسنت دي بول، طلبات مساعدة من مستشفيات تضرّرت بفعل الحرب، إضافة إلى وزارة الصحة.
توضح الدكتورة وفاء أبي حيدر، مديرة الرعاية في مستشفى قلب يسوع: “عندما بدأ القصف، استقبلنا مرضى قدموا من الجنوب ومن منطقة بعلبك، وكذلك من الضاحية الجنوبية لبيروت، والذين كانوا يخضعون لجلسات غسيل الكلى في مستشفى الساحل”. وتضيف: “لقد حشدنا جميع فرقنا لنتمكن من استقبالهم وإجراء جلسات غسيل الكلى لهم. نعالج حتى اليوم ثمانية مرضى إضافيين في القسم.”
على الرغم من اشتداد الحرب وازدياد الضربات التي طالت مناطق سكنية لا ترتبط من قريب أو بعيد بحزب الله، لم يصل المستشفى بعد إلى مرحلة الاكتظاظ. فحتى الآن، استقبل مستشفى قلب يسوع 11 مصابا جراء غارات إسرائيلية مختلفة. ويعد هذا الرقم ضئيلا مقارنة بالعام 2024، والذي شهد أيضا حربا بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.
تقول الأخت لميا تامر، مسؤولة الشؤون الاجتماعية في المستشفى: “يوجد المستشفى منذ عام 1848، وشهد العديد من الحروب في لبنان“. وتضيف: “هذا ليس جديدا للأسف. لقد أُعيد تفعيل الخطة البديلة التي وضعت في 2024. بالطبع، تغيّرت آلية العمل لأننا نستقبل مصابين ونازحين، ولدينا أيضاً خمسون فردا من فريقنا الطبي نازحين”.
العلاج مهما كلّف الثمن.. هذا هو هدف مستشفى قلب يسوع. وتوضح الدكتورة أبي حيدر قائلة: “فكرت في عدة حلول، مثل الاستعانة بممرضات لم يعدن يعملن، وبموظفين طبيين أغلقت مؤسساتهم حاليا. بالتأكيد هناك موظفون يمكن دمجهم لتغطية المزيد من المناوبات”.
حضر بعض الأطباء المتدربين الذين يقيمون أحيانا داخل المستشفى لتقديم المساعدة. بينما “من الصعب الوصول إلى المستشفى لأنه قريب من مناطق القصف” بحسب الطبيبة المتدربة تيريزا شوفاني. وتضيف شوفاني أن “الطرق ليست آمنة دائما، وبعض الأطباء المتدربين اضطروا للنزوح لأماكن بعيدة. لذلك لدينا برنامج استثنائي يسمح لنا بالتناوب وعدم التواجد هنا يوميا.”
ومع تلقي الجيش الإسرائيلي تعليمات بالاستعداد لـ”تكثيف عملياته في لبنان”، فإن أسوأ الاحتمالات تخيم على الوضع. تقول أبي حيدر: “نستعد لجميع السيناريوهات، وقمنا بمحاكاة وجلسات تدريبية لنكون قادرين على استقبال تدفق عدد كبير من المرضى. دورنا هو المعالجة. نأمل ألا يحدث شيء، لكننا مستعدون لذلك.”
في حال استمرّ الصراع أو تفاقم من حيث الخسائر البشرية، فقد يواجه المستشفى صعوبات. تقول الأخت لميا إن “مستشفى قلب يسوع يعتمد على التمويل الذاتي. إذا تدفق عدد كبير من الجرحى، فلن نستطيع الاستمرار بدون تبرعات. عام 2024 تمكنا من العمل بفضل التبرعات الخاصة. ومرة أخرى، نحن بحاجة إلى كرم الجميع”.
في الجانب الآخر من المستشفى، لا يزال جان موجودا. متصل بجهاز غسيل الكلى، يفكر الرجل السبعيني في منزله. يعود إليه كل يومين في رحلة تستغرق ساعة ونصف، فقط ليتأكد أنه لا يزال قائما وسليما. يقول جان: “أريد العودة إلى قريتي، هذا هو الأهم”.
فرانس 24
