
تحت وطأة استمرار التصعيد العسكري المتواصل والمواقف السياسية المتشددة، تدخل الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل، والولايات المتحدة من جهة ثانية مرحلة أكثر تعقيداً في يومها السادس عشر، وذلك بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استبعاد أي اتفاق لوقف الحرب، ما لم تتخلّ طهران بالكامل عن برنامجها النووي، كما رفض جهود الوساطة لوقف الأعمال العسكرية.
ويأتي هذا الموقف فيما تتواصل الضربات المتبادلة، وتتسع رقعة المواجهة إلى جبهات إقليمية متعددة، في مؤشر على أن الصراع يتجه نحو حرب استنزاف طويلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، والطاقة، والأمن الدولي.
ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات جوية مكثفة داخل إيران، استهدفت منصات إطلاق صواريخ ومنشآت عسكرية، وأنظمة دفاع جوي، شملت قصف أكثر من 200 هدف في غرب ووسط إيران خلال الساعات الماضية.
كما تحدثت إيران من جانبها عن انفجارات عدة شرق وغرب طهران وفي مدينة شيراز، وعن قصف أمريكي إسرائيلي، استهدف مواقع عسكرية، في مدينة أصفهان، مشيرة كذلك إلى أنها شنت سلسلة هجمات بصواريخ باليستية، أسفرت عن إصابة إسرائيليين اثنين إضافة إلى اندلاع حرائق، وأضرار مادية في مركبات ومبانٍ.
في غضون ذلك، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أنها نفذت ضربات واسعة على جزيرة خرج الاستراتيجية في الخليج التي تعد مركزاً رئيسياً لصادرات النفط الإيرانية، مستهدفة أكثر من 90 موقعاً عسكرياً بينها مخازن ألغام بحرية، ومنشآت صاروخية.
وفي تطور لافت، كشفت تقارير أمريكية أن إسرائيل أبلغت واشنطن بوجود نقص حاد في صواريخها الاعتراضية، مع استمرار الحرب وتزايد الهجمات الإيرانية.
ونقل موقع “سيمافور” عن مسؤولين أمريكيين: إن هذا النقص كان متوقعاً، وخصوصاً بعد استنزاف جزء من المخزون الإسرائيلي في المواجهات السابقة، إضافة إلى الارتفاع الكبير في وتيرة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من إيران وحلفائها.
كما حذرت تقارير استخباراتية من أن استخدام إيران ذخائر عنقودية في بعض الصواريخ قد يزيد من الضغط على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، ويضاعف استنزافها.
إلى ذلك تعرضت كل من السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين خلال الساعات الماضية لاعتداءات بالصواريخ، والطائرات المسيّرة، حيث أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي استهدفت مناطق في الرياض والمنطقة الشرقية، فيما أسقط الحرس الوطني الكويتي خمس طائرات مسيرة كانت تستهدف مواقع أمنية.
كما تعرض مطار الكويت الدولي لهجوم بطائرات مسيّرة أصابت نظام الرادار، فيما اعترضت البحرين صواريخ في سمائها. وفي الإمارات، تم استئناف العمل في ميناء الفجيرة بعد تعرضه لهجوم بطائرات مسيرة أدى إلى اندلاع حريق محدود.
وفي العراق، استهدفت طائرات مسيّرة قاعدة عسكرية في مطار بغداد تضم قوات أمريكية، كما تعرض مجمع السفارة الأمريكية في بغداد لهجوم صاروخي تسبب بأضرار مادية، دون تسجيل إصابات في حين أعلنت ميليشيات مسلحة عراقية موالية لإيران تنفيذ عدة عمليات ضد قواعد أمريكية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
وفي إقليم كردستان العراق، أدى هجوم بطائرة مسيّرة إلى اندلاع حريق في حقل لاناز النفطي قرب أربيل، ما دفع الشركة المشغلة إلى تعليق العمل مؤقتاً في الموقع.
وفي لبنان، تتواصل الغارات الإسرائيلية العنيفة على الجنوب والبقاع وضواحي بيروت، مخلفة مئات القتلى والجرحى، في إطار المواجهة مع ميليشيا حزب الله التي دخلت الحرب دعماً لإيران، حيث أعلنت تلك الميليشيا عن تنفيذ 47 عملية عسكرية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي.
وبعد أكثر من أسبوعين على اندلاعها، تشير الأرقام إلى اتساع غير مسبوق في حجم العمليات العسكرية، إذ نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من 41 ألف هجوم استهدف نحو ستة آلاف موقع داخل إيران، بينما ردت طهران بأكثر من 50 موجة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويقول خبراء: إن المواجهة تحولت تدريجياً إلى حرب استنزاف إقليمية متعددة الجبهات، تقوم على رفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية على جميع الأطراف، وسط مخاوف متزايدة من تأثيراتها على أمن الطاقة العالمي واستقرار المنطقة.
وفي خطوة تعكس اتساع تداعيات الحرب، رفضت سويسرا طلبين أمريكيين لتحليق طائرات عسكرية مرتبطة بالصراع فوق أراضيها، استناداً إلى قانون الحياد. سياسيأ، اشترط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تخلي إيران عن برنامجها النووي، لإبرام أي اتفاق مع طهران وقال: إن التزام إيران بالتخلي الكامل عن أي طموحات نووية سيكون جزءا من أي اتفاق.
وأوضح ترامب في تصريحات لشبكة “إن بي سي نيوز” أن أي شروط لإبرام اتفاق مع طهران يجب أن تكون قوية للغاية، على حد قوله. كما ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة لرويترز، أن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب رفضت جهود حلفاء بالشرق الأوسط لبدء مفاوضات دبلوماسية تهدف إلى إنهاء الحرب على إيران.
في غضون ذلك قال وزير خارجية إيران عباس عراقجي: إن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية سيقابل برد مباشر على منشآت الطاقة، والشركات المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، في حين أعلن الحرس الثوري وضع فروع بنوك أمريكية في المنطقة على قائمة أهدافه، معلناً أن استهدافها يأتي رداً على قصف مؤسسات مالية إيرانية.
دولياً، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده تقف في طليعة المدافعين عن الشعوب وتسعى إلى إيجاد حلول للأزمات عبر الحوار والدبلوماسية، في إشارة إلى موقف أنقرة الداعي إلى احتواء التصعيد في المنطقة.
كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: إن الظروف الحالية في ظل الهجمات المتواصلة لا تبدو مناسبة لعودة المفاوضات بشكل فعلي، ولا تشير إلى وجود مبادرة جدية في الوقت الراهن لاستئناف المفاوضات بين إيران، والولايات المتحدة.
أما بريطانيا، فأكدت أنها تبحث مع حلفائها خيارات لحماية الملاحة في المنطقة، في حين أعلن الرئيس الأمريكي أن البحرية الأمريكية تدرس مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
وفي ظل استمرار التصعيد وتعدد الجبهات، تبدو المنطقة أمام صراع مفتوح قد يستمر لفترة أطول، إلى أن تصل الأطراف المتحاربة إلى قناعة بأن تكلفة الحرب التي دخلت الأسبوع الثالث، باتت أعلى من أي مكاسب محتملة.
