إسرائيل تتجاوز المقاطعة التركية: أنقرة تبقى المورد الخامس رغم الحظر

كانت تركيا في السابق واحدة من أقرب الشركاء لإسرائيل – وجهة سياحية شعبية، مورد رئيسي لمواد البناء وخامس أكبر شريك تجاري لها. ثم، في مايو\ايار 2024، أعلنت أنقرة عن مقاطعة تجارية كاملة ضد إسرائيل في أعقاب الحرب في غزة. منذ ذلك الحين، تبرز العديد من الأسئلة: كم تضررت إسرائيل فعلاً؟ من ملأ الفراغ؟ وما الذي يخفيه وراء الأرقام؟

في عام 2023 بلغ حجم التجارة بين البلدين أكثر من سبعة مليارات دولار. صدّرت تركيا إلى إسرائيل بضائع بقيمة تزيد على خمسة مليارات دولار – إسمنت، حديد، رخام، مركبات، ملابس ومواد غذائية. من جانبها، صدّرت إسرائيل إلى تركيا بما يقارب مليار ونصف المليار دولار.

بعد المقاطعة – التراجع كان دراماتيكي: انخفاض بنسبة 87% في إجمالي التجارة. في عام 2025 بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية حوالي 11 مليون دولار فقط، تقريبًا لا شيء بمصطلحات تجارية. قطاع البناء تلقى الضربة الأولى: تركيا كانت في السابق توفر حوالي 45% من الإسمنت، 70% من حديد البناء و55% من الرخام في إسرائيل.

خلال عدة أشهر، حلّت مصر محل تركيا في سوق الإسمنت، وانضمت إليها اليونان، بلغاريا والأردن. ووفقًا لبنك إسرائيل، فإن ارتفاع أسعار مدخلات البناء كان أقل من واحد بالمئة – ولم ترتفع أسعار الإسمنت على الإطلاق.

صحيح، بعض المنتجات اختفت من الرفوف. زيت الزيتون التركي وآيس كريم Magnum اختفيا، والجبنة اليونانية ارتفع سعرها بنحو 40% مقارنةً بالنظيرة التركية. لكن تضخم؟ نقص؟ تقريبًا لا.

وراء الكواليس انكشفت قصة أخرى، أكثر مفاجأة: المقاطعة لم تكن مُحكمة. ارتفعت الصادرات التركية إلى السلطة الفلسطينية بنسبة 543٪ في عام 2024، وصادرات الفولاذ ارتفعت بنسبة لا تقل عن 5,400٪. تُظهر المعطيات أن البضائع التركية واصلت التدفق إلى إسرائيل عبر اليونان وبلغاريا والسلطة الفلسطينية. وهكذا، على الرغم من المقاطعة الرسمية، بقيت تركيا خامس أكبر مزود واردات لإسرائيل في عام 2024.

حتى النفط لم يتوقف: في العام الماضي وصلت إلى إسرائيل ما لا يقل عن عشرة شحنات من النفط الخام من ميناء جيهان التركي، حيث أطفأت الناقلات أنظمة التتبع في طريقها عبر البحر الأبيض المتوسط. أنقرة أنكرت ذلك، لكن بيانات الأقمار الصناعية أظهرت خلاف ذلك.

حتى الأجواء بين الدول تغيرت تماماً. 172 رحلة أسبوعية كانت تعمل على خط إسرائيل-تركيا عشية الأزمة. اليوم – صفر. عدد الإسرائيليين الذين سافروا إلى تركيا في عام 2024 بلغ حوالي 81 ألف فقط، مقابل 824 ألف في عام 2022انخفاض بنسبة 90%.

بالمقابل، بنت تركيا هيكلية اقتصادية جديدة تهدف لإخراج إسرائيل من اللعبة: انضمت إلى المنظمة المعارضة لاتفاقيات أبراهام ودعمت ممر تجارة بديلًا للمشروع الهندي-الأوروبي الذي تشارك فيه إسرائيل. لم يعد الأمر يقتصر على المقاطعة فقط – بل محاولة لإعادة رسم خريطة المنطقة بطريقة تتجاوز إسرائيل.

إسرائيل من جانبها اختارت عدم الرد بمقاطعة مضادة – وحصلت على نتيجة، التجارة مع اليونان ارتفعت بنسبة 41%، مع الأردن بنسبة 48%، مع مصر بنسبة 13%، ومع البحرين بنسبة لا تقل عن 900%. اليونان وقبرص أصبحتا شريكتين استراتيجيتين فعليتين – مع صفقات سلاح، مناورات عسكرية وقمم لقادة الدول. في ديسمبر 2025 تم توقيع إعلان للتعاون الأمني المعمق، والذي يبعث برسالة واضحة: إسرائيل ليست معزولة – بل تتأقلم.

المقاطعة التركية هي الخطوة الاقتصادية الأكثر تشددا التي اتُخذت ضد إسرائيل منذ 7 أكتوبر. من الناحية الاقتصادية – وجدت إسرائيل حلولًا. من الناحية الأمنيةالتحدي مستمر. لكن الدرس واضح: اقتصاد مفتوح، موردون متنوعون وتحالفات جديدة هم الحماية الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *