
تحمل عودة أعداد كبيرة تقدر بالآلاف من رعايا الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى بلادهم خلال أيام معدودة، مجموعة من الدلالات. يأتي ذلك في ظل الحرب التي تقودها أمريكا وإسرائيل على إيران، وفي صدارتها استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لخوض معركة استنزاف طويلة مدمرة.
ويدل هذا الإجراء، بحسب مختصين، على أن الولايات المتحدة ستطور المواجهة، وستقوم بإدخال أسلحة غير معهودة في هذه الحرب، وهو ما تطلب اتخاذ واشنطن إجراءات حمائية تجاه الرعايا الأمريكيين في الشرق الأوسط، خوفًا من عمليات انتقامية تجاههم في بعض الدول.
ومؤخرًا، أعلن ترامب عودة أكثر من 9 آلاف أمريكي إلى الولايات المتحدة من الشرق الأوسط منذ انطلاق العملية العسكرية ضد إيران. وقال ترامب، عبر حسابه على منصة “تروث سوشيال”، إنه “منذ إطلاق عملية الغضب الملحمي، عاد أكثر من 9000 أمريكي إلى ديارهم سالمين من الشرق الأوسط”.
وأضاف “إذا كنت مواطنًا أمريكيًا في الشرق الأوسط، وترغب في العودة إلى الوطن، فيُرجى التسجيل لدى وزارة الخارجية على Step.State.Gov“. وأكد أن “الوزارة ستحدد مكان وجودك، وستوفر لك خيارات السفر. نحن نقوم بالفعل باستئجار رحلات جوية مجانًا، وحجز خيارات تجارية، ونتوقع أن تصبح متاحة بشكل متزايد مع مرور الوقت”.
وبهذا السياق، يقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نورث كارولينا، البروفيسور خضر زعرور، إن الخارجية الأمريكية طلبت من رعايا بلادها المغادرة فورًا من 14 دول عربية وشرق أوسطية، ولكن يبدو أن هناك تخبطاً من متخذي القرار، وهو ما ظهر في صيغة الإنذار، الذي وقف أمامه أمريكيون في الخارج حائرين.
وأوضح زعرور، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن الجيش الأمريكي وسط هذه الحرب دخل على خط المساعدة في هذا الأمر، وذلك عبر عمليات إجلاء.ولفت إلى أنه رغم ذلك، يجد الأمريكيون الذين يستعدون سريعًا للعودة في صيغة الإنذار، نقاطًا مليئة بالتخبط، وكأن الخارجية الأمريكية تخلي مسؤوليتها من تعرضهم لأي مشكلة.
وتسبب الإنذار الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بأزمة كبيرة، لم تقف عند وقوع الراغبين بالعودة في حيرة حول المطلوب منهم القيام به، إذ نتج عنه حالة من التكدس والفوضى في مطارات عدة بسبب هرولة الأمريكيين للعودة إثر التنبيه، في ظل المشاكل التي تعاني منها شركات الطيران بسبب الحرب، وفق زعرور.
وتابع زعرور: “مثل هذه العودة لأكثر من 9 آلاف أمريكي، ينبئ بأن الحرب ستتدهور إلى مرحلة أخطر خلال الساعات المقبلة، وستتوسع دائرتها إلى مناطق أكثر في الشرق الأوسط”.
وكان البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، قد أصدرا هذا الإنذار، مشددين على ضرورة التعامل بجدية معه، وسط توقعات بخروج الأمر عن السيطرة في شكل استكمال عودة الرعايا، على حد تقدير زعرور.
ولفت إلى أن هناك تضارباً في الخيارات المقدمة للرعايا من المؤسسات الرسمية بالولايات المتحدة، بخصوص مغادرتهم البلاد التي يتواجدون بها من عدمها.
بدوره، يرى الباحث الاستراتيجي، الدكتور محمد يوسف النور، أنه في الوقت الذي تبدو فيه الحرب مفتوحة بين إيران والولايات المتحدة، ومع دعوة الأخيرة رعاياها للعودة من الشرق الأوسط، فإن ذلك مؤشر على تسارع وتيرة الأحداث.
وأضاف النور، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن وراء هذا العمل استعداد وتوجه أمريكي لخوض معركة استنزاف طويلة ومدمرة، ليس فقط لإيران، ولكن سيرتد ذلك على الدول العربية التي كانت في الأساس، ضد هذه الحرب.
وتعكس عودة آلاف الأمريكيين في الأيام القليلة الماضية من الشرق الأوسط، مدى الارتدادات القادمة عسكريًا وأمنيًا في دول الإقليم، وهو ما دفع ترامب إلى تسريع إعادة رعايا بلاده، بحسب النور، خوفًا من توجيه عمليات انتقامية ضد الرعايا الأمريكيين في دول بالمنطقة، سواء فردية أو من قبل مجموعات رافضة لهذه الحرب.
ويبدو جليًا أن ترامب يتخوف من انعكاسات وجود رعايا أمريكيين في الشرق الأوسط، سواء دبلوماسيين أو موظفين رسميين أو مدنيين مقيمين في دول عربية، حيث إن تعرضهم لأي مخاطر قد تجعله مسؤولًا ليس فقط أمام الكونغرس، ولكن أمام الشارع الأمريكي أيضًا.
ويشير النور في هذا الصدد، إلى أن عمل الولايات المتحدة على عودة هذا العدد الكبير من الرعايا في أسرع وقت، يدل على أن ترامب سيطور المواجهة استراتيجيًا على الأرض، والذهاب إلى تصعيد غير محدود، والدخول بأسلحة غير معهودة.
وقال النور إن استدعاء الرعايا الأمريكيين دليل على أننا أمام معركة طاحنة ستتبدل فيها الولاءات، وستتغير التحالفات أيضًا، ووجهات الحرب وأهدافها، وربما الوصول إلى دخول أطراف أخرى، أو تأخذ في مرحلة متأخرة إطارًا دينيًا طائفيًا.
