
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الشاباك السابق رونين بار – في صورة من حساب نتنياهو على منصة إكس في يناير/كانون الثاني 2023 تتواصل في إسرائيل المواجهة السياسية بين رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ورئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك) السابق، رونين بار، في أحدث فصل من الجدل المستمر منذ نحو 3 أعوام بشأن ما الذي عرفته القيادات الأمنية والسياسية قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما هي التوصيات التي طُرحت آنذاك، وكيف تعاملت معها الحكومة.
واتهم نتنياهو، الإثنين 28 سبتمبر/أيلول، بار بـ«التقصير وارتكاب جرائم»، مدعيًا أنه كان على علم بـ«خطر حقيقي» في الليلة التي سبقت الهجوم ولم ينقل التحذير إليه. وفي المقابل، أعلن بار في خطوة غير معتادة عزمه رفع دعوى تشهير ضد رئيس الوزراء، متهمًا إياه بنشر وثائق ومحاضر بصورة انتقائية ومجتزأة، ومطالبًا بالكشف الكامل عنها.
وبحسب تقرير ليديعوت أحرونوت، الثلاثاء 29 سبتمبر، تتمحور إحدى نقاط الخلاف الرئيسية حول وثائق من 55 صفحة نشرها نتنياهو في فبراير/شباط الماضي ضمن رده على تحقيق يجريه مراقب الدولة. وتضم الوثيقة مقتطفات من مداولات أمنية وعسكرية جرى انتقاؤها للموافقة على نشرها، من دون إتاحة النصوص الكاملة لتلك الاجتماعات.
وأثار هذا الأسلوب انتقادات بشأن غياب السياق الكامل للتصريحات الواردة في الوثائق، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات متباينة لما قيل وما أوصي به خلال المناقشات الأمنية التي سبقت الهجوم.
ومن أبرز نقاط الخلاف الاجتماع الأمني الذي عقده نتنياهو في الأول من أكتوبر 2023، قبل ستة أيام فقط من الهجوم. واستشهد مستشار نتنياهو، توباز لوك، باقتباس منسوب إلى رونين بار خلال ذلك الاجتماع قال فيه إن إسرائيل تستطيع أن تكون «كريمة جدًا» في القضايا الإنسانية، مضيفًا أنه لا يرى إمكانية لتنفيذ «ضربة استباقية» في تلك المرحلة.
وتستند رواية نتنياهو إلى هذا الاقتباس للتأكيد على أن بار لم يدفع نحو عمل عسكري واسع ضد حركة حماس، كما يشير إلى أن أي جهة في الاجتماع لم توصِ باستهداف قيادة الحركة، وأنه هو من طلب الإعداد لخطط تتعلق بذلك.
كما تضمنت المداولات، وفق مقتطفات الوثائق المنشورة، تقديرات تفيد بأن زعيم حماس في غزة يحيى السنوار كان معنيًا بالحفاظ على الهدوء، إلى جانب تصريحات لوزير الجيش آنذاك، يوآف غالانت، أكد فيها أن لإسرائيل مصلحة في استقرار الأوضاع بالقطاع.
لكن تقارير صحفية نشرتها «يديعوت أحرونوت» قدمت صورة مختلفة للاجتماع نفسه، إذ نقلت عن بار قوله إن السنوار «يشعر بالقوة ويجب مواجهته»، مع دعوته إلى إعداد خطة عملياتية لقطاع غزة.
كما أفادت التقارير بأن رئيس الأركان آنذاك، هرتسي هاليفي، طالب بالتحضير لحملة واسعة في القطاع.
ووفق محلل الشؤون العسكرية والسياسية بالصحيفة، رونين بيرغمان، فإن الاقتباس الذي استند إليه مستشار نتنياهو لا يمثل سوى جزء من مداخلة بار، إذ تحدث الأخير أيضًا عن ضرورة إعادة تجهيز منظومة عملياتية تمهيدًا لتنفيذ خطة تستهدف السنوار ومحمد الضيف ودوائر القيادة التابعة لهما، مع الإشارة إلى أن تنفيذ مثل هذه الخطة يحتاج إلى وقت وإعداد مسبق.
ملخص الاجتماع الذي نشره مكتب نتنياهو يضيف بدوره طبقة جديدة من التعقيد إلى القضية. فإلى جانب الدعوة إلى زيادة المساعدات الإنسانية وتشجيع ما وصف بـ«التسوية المدنية مع حماس»، تضمّن الملخص توجيهات بتعزيز الجاهزية العملياتية واتخاذ تدابير وقائية، مع التشديد على ضرورة التحرك ضد قادة حماس ومراكز قيادتها المسؤولة عن إدارة العمليات في الضفة الغربية.
وتشير هذه الصياغات إلى أن خيارات هجومية كانت مطروحة بالفعل على طاولة النقاش، حتى وإن كانت الوثائق المنشورة لا توضح بصورة قاطعة الجهة التي قدمت تلك التوصيات أو توقيتها.
تحذيرات مبكرة من الحرب
ولا تستند رواية بار إلى اجتماع الأول من أكتوبر فقط، بل أيضًا إلى إفادة خطية قدمها للمحكمة العليا في أبريل/نيسان 2025. وقال بار في إفادته إن «الشاباك» حذر القيادة السياسية مرارًا خلال عام 2023 من أن الانقسام الداخلي في إسرائيل يضعف الردع ويشجع الخصوم على استغلال ما وصفه بـ«فرصة سانحة»، مطالبًا منذ أبريل/نيسان باتخاذ خطوات حاسمة لوقف هذا التآكل.
كما أكد ما نُشر سابقًا حول توجيهه تحذيرًا لنتنياهو في يوليو/تموز 2023 من خطر اندلاع حرب، محذرًا من أن أعداء إسرائيل يرصدون حالة الضعف الداخلي. إلا أن هذا التحذير، بحسب ما هو معروف حتى الآن، لم يكن إنذارًا استخباراتيًا محددًا بشأن هجوم 7 أكتوبر، بل كان تحذيرًا عامًا من تصعيد إقليمي محتمل يشمل جبهات متعددة، بينها حزب الله والضفة الغربية.
في المقابل، لا ينفي بار مسؤولية الشاباك عن الفشل الاستخباراتي الذي سبق الهجوم. فبحسب إفادته، رُصدت مؤشرات مقلقة خلال ليلة 6 أكتوبر، وأُبلغ الجيش بها، فيما أصدر الشاباك عند الساعة 3:03 فجرًا تحذيرًا يشير إلى وجود استعدادات استثنائية واحتمال نيات هجومية لدى حماس.
لكن التقدير الاستخباراتي، وفق بار، أخطأ في فهم الصورة، إذ اعتبرت التحركات استعدادًا دفاعيًا أو لهجوم محدود، وليس تمهيدًا لعملية واسعة النطاق. وأقر بأن أحدًا داخل المنظومة الأمنية لم يتوقع هجومًا بالحجم الذي وقع صباح ذلك اليوم.
وأشار أيضًا إلى أنه أصدر تعليمات عند الساعة 5:15 صباحًا لإبلاغ السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، غير أن أول اتصال وصل إلى نتنياهو تم في الساعة 6:29 صباحًا، بعد بدء الهجوم بالفعل، وهو ما يثير تساؤلات لا تزال بلا إجابات حاسمة حول سلسلة نقل المعلومات في تلك الساعات الحرجة.
تكشف الوثائق والشهادات المنشورة حتى الآن صورة أكثر تعقيدًا من الروايات المتناقضة التي يقدمها الطرفان. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن الشاباك تبنى قبل الهجوم تقديرات خاطئة بشأن إمكانية الحفاظ على الاستقرار في غزة، لكنه في الوقت نفسه حذر من تآكل الردع ودعا إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة ضد حماس. كما أظهرت الوثائق أن نتنياهو لم يركز فقط على المسار الاقتصادي والتسهيلات المدنية، بل ناقش أيضًا إجراءات وبدائل أمنية ضد قيادة الحركة.
ولهذا تتزايد الدعوات داخل إسرائيل للكشف الكامل عن محاضر الاجتماعات والوثائق المرتبطة بالفترة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، أو إحالتها إلى لجنة تحقيق رسمية مستقلة، باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على فحص جميع المواد السرية وتحديد من قدم التحذيرات، وما هي القرارات التي اتُخذت بالفعل، وكيف جرى التعامل معها قبل وقوع الهجوم.
