الخرطوم تئن بعد عودة الجيش.. دمار وغلاء وخدمات غائبة

بعد فرارهم من الخرطوم مع اندلاع الحرب، عاد ملايين السودانيين إلى العاصمة على أمل استعادة حياتهم، لكنهم وجدوا مدينة مثقلة بالدمار، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، رغم مرور أشهر على سيطرة الجيش عليها.  وغادر نحو 4 ملايين شخص الخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، فيما تشير تقديرات إلى عودة نحو 2.7 مليون شخص بعدما استعاد الجيش العاصمة العام الماضي.

لكن عودة السكان لم تترافق مع عودة الحياة إلى طبيعتها، إذ لا تزال الكهرباء والمياه تنقطعان لأيام، بينما ترتفع أسعار السلع بصورة متواصلة، وتواجه المستشفيات نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية. ويقول رجل الأعمال عماد خالد أحمد، الذي عادت أسرته من القاهرة قبل شهر، إنه يستعد لإعادتها مجددًا إلى العاصمة المصرية، معتبرًا أن قرار العودة «كان خطأ».

وتظهر آثار الحرب في أنحاء الخرطوم، من جسر شمبات الذي لا يزال جزء منه مفقودًا بعد تعرضه لغارة جوية، إلى السيارات المتروكة في الشوارع والمباني المدمرة. ورغم سعي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى تقديم عودة الخرطوم بوصفها محطة مفصلية، تكشف مشاهد المدينة حجم الدمار الذي خلفته الحرب، إذ تحول القصر الجمهوري إلى هيكل مدمر، بينما تعرضت أجزاء واسعة من العاصمة للنهب والتخريب.

وفي المقابل، تشجع السلطات السكان على العودة، وأعادت تشغيل المطار وبدأت تأهيل بعض البنى التحتية، لكن عودة الخدمات الأساسية لا تزال محدودة، ما يجعل كثيرًا من العائدين أمام واقع مختلف تمامًا عن الصورة التي تقدمها السلطات.

وفي الخرطوم بحري، عادت سعاد محمد إدريس إلى منزلها لتجد أثاثه مسروقًا، فيما اضطرتها الأسعار المرتفعة وانقطاع الكهرباء إلى شراء احتياجاتها الغذائية يوميًا. وتقول، وهي أرملة وأم لستة أبناء: «جئنا بشوق لبلدنا، لكن الغلاء طاحن». ولا يقتصر الأمر على الغذاء والكهرباء والمياه، إذ يمثل تدهور القطاع الصحي أحد أكبر العقبات أمام استقرار السكان.

ورغم إعادة تأهيل بعض المستشفيات، لا تزال أدوية ومستلزمات أساسية غير متوافرة، فيما يضطر مرضى إلى شراء الأدوية من خارج المستشفيات، في وقت يعاني فيه كثير من السكان أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة.

ويقول إمام بكر عباس، الذي عاد إلى جنوب الخرطوم بعد 3 أعوام في القاهرة، إن والده المصاب بارتفاع ضغط الدم يواجه صعوبة في العثور على الدواء، بينما تتعرض جرعات الأنسولين الخاصة بوالدته للتلف بسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.

ولا تبدو المؤسسات التعليمية بمنأى عن الأزمة، إذ دفعت السلطات الجامعات إلى إنهاء نظام التعليم عن بعد وإلزام الطلاب بالعودة، رغم استمرار صعوبة الأوضاع في العاصمة. وأثارت الخطوة اعتراضات من طلاب وأساتذة، فيما لوّح أساتذة الطب في جامعة الخرطوم بالاستقالة الجماعية.

وتقول إحدى طالبات الماجستير إن الجامعة رفضت مناقشة بحثها عبر الإنترنت، رغم وجود مشرفها خارج السودان، بينما تحاول طالبة أخرى الحصول على منحة في مصر بعد تعذر استكمال دراستها في الخرطوم.

وتقول الطالبة: «لم يصغوا إلينا، كل ما كان يهمهم هو أن يعود الناس». وتضيف أن قرار إعادة السكان يحمل بُعدًا سياسيًا، قائلة: «هم يريدون عودة الناس ليظهروا أن الأمور على ما يرام، لكنها ليست على ما يرام أبدا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *