كيف تتوسع روسيا في تجنيد المقاتلين الاجانب

قال مستشار السياسة الخارجية بالمعهد الوطني الأوكراني في كييف إيفان أوس، إن استمرار روسيا في تجنيد مقاتلين أجانب يعكس عدم وجود توجه حقيقي لدى موسكو لوقف الحرب أو خفض حدة التصعيد، مشيرًا إلى أن الكرملين يواصل توسيع أدواته البشرية والعسكرية للحفاظ على وتيرة العمليات في أوكرانيا.

وأوضح أوس لـ”إرم نيوز” أن الخطاب الروسي الذي ينفي التخطيط للحرب أو التحريض عليها يتناقض مع الوقائع الميدانية، موضحًا أن أي حرب بهذا الحجم تتطلب تخطيطًا مسبقًا وتوفير الأسلحة وتجهيزها في المخازن واستخدامها لاحقًا في الهجمات.

وأضاف أن روسيا “لا تريد التوقف عن الحرب ولا تريد تخفيف حدة التصعيد في هجماتها على أوكرانيا”، معتبرًا أن استمرار عمليات التجنيد خارج الحدود يمثل أحد المؤشرات على رغبة موسكو في الحفاظ على قدراتها البشرية في الجبهة.

ويأتي ذلك بالتزامن مع توسع موسكو، بحسب تقرير للنسخة الأوروبية من صحيفة “بوليتيكو”، في البحث عن مقاتلين خارج روسيا، في ظل تراجع قدرتها على استقطاب أعداد جديدة من بعض الدول التي اعتمدت عليها سابقًا، خصوصًا في آسيا وأفريقيا.

وأشار التقرير إلى أن أمريكا اللاتينية أصبحت وجهة متزايدة الأهمية لعمليات التجنيد الروسية، مع تركيز خاص على بيرو، حيث أفادت شهادات مجندين وأقاربهم بأن مئات الأشخاص سافروا إلى روسيا خلال النصف الأول من العام الجاري.

وبحسب التقرير، نظم أقارب عدد من المجندين في بيرو احتجاجات متكررة، وطالبوا السلطات بالتحرك، فيما وصف بعضهم عمليات استقطاب أبنائهم للقتال في أوكرانيا بأنها تشبه “الاتجار بالبشر”.

ونقلت “بوليتيكو” عن مسؤول دفاعي أوكراني يعمل مع أسرى الحرب قوله إن كييف ترصد “توسعًا واضحًا” في شبكة التجنيد الروسية بأمريكا اللاتينية، مع ارتفاع ملحوظ في الحالات القادمة من بيرو. وقال المسؤول إن عدد المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب روسيا من المتوقع أن يصل خلال العام الحالي إلى مستوى قياسي.

وتشير المعلومات التي نقلتها الصحيفة إلى أن كوبا وكولومبيا ما زالتا من أبرز مصادر التجنيد، بينما تزايد حضور بيرو، إلى جانب البرازيل والإكوادور والأرجنتين.

وبحسب مسؤول أوكراني نقلت عنه “بوليتيكو”، بلغ عدد المقاتلين من أمريكا اللاتينية الذين وقعوا في الأسر خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 أربعة أضعاف العدد الذي وقع في الأسر طوال الفترة الممتدة منذ بداية الحرب عام 2022.

وفي قراءة لهذه الظاهرة، قال الباحث الأوكراني المتخصص في الشؤون الاستراتيجية، أولكسندر ميلنيك، إن لجوء الكرملين إلى استقطاب مجندين من دول أمريكا اللاتينية يمثل استراتيجية مؤقتة لتجنب اللجوء إلى جولة جديدة من التعبئة داخل المدن الروسية الكبرى.

وأوضح ميلنيك لـ”إرم نيوز”، أن هؤلاء المجندين لا يمتلكون في كثير من الحالات خبرة عسكرية كافية، ولذلك يجري استخدامهم لسد النقص العددي في بعض قطاعات الجبهة.

وأشار إلى أن روسيا تستفيد من الأوضاع الاقتصادية الصعبة في عدد من الدول النامية، عبر وسطاء محليين يقدمون للشباب وعودًا بوظائف مدنية أو بتسهيل الحصول على الجنسية الروسية ومكافآت مالية، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم أمام عقود عسكرية مكتوبة باللغة الروسية لا يفهمون تفاصيلها.

ويرى ميلنيك أن الأمر تحول، في بعض الحالات، من عملية تجنيد عسكري إلى شبكة عابرة للحدود تتضمن اتهامات بالاتجار بالبشر، معتبرًا أن المقاتل الأجنبي قد يصبح ضحية للخداع أولًا من السماسرة، ثم يواجه مخاطر القتال أو الأسر في أوكرانيا.

موسكو تضيق دائرة التجنيد

وفي السنوات الأولى من الحرب، كان الجزء الأكبر من المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى القوات الروسية قادمًا من دول آسيا الوسطى، تليها دول في أفريقيا وجنوب شرق آسيا، بينما برز أيضًا مجندون من دول أمريكا اللاتينية، بينها كوبا وكولومبيا.

لكن الضغوط الدبلوماسية والتحركات الرامية إلى مكافحة التجنيد الروسي في عدد من تلك الدول دفعت موسكو، بحسب مسؤولين أوكرانيين نقلت عنهم “بوليتيكو”، إلى فرض قيود على تجنيد مواطنين من نحو 40 دولة.

وفي المقابل، تكشف زيادة حضور أمريكا اللاتينية عن تحول في خريطة الاستقطاب الروسية، خصوصًا مع تزايد الحالات القادمة من بيرو. وبحسب وزارة الخارجية البيروفية، التي أصدرت بيانًا في آب/ أغسطس، فإن السلطات على علم بوجود 459 بيروفيًا يقاتلون في صفوف القوات الروسية، بينهم 11 قتيلًا و114 مفقودًا.

نحو 29 ألف مقاتل أجنبي

وتقدر السلطات الأوكرانية أن القوات الروسية تضم نحو 29 ألف مجند أجنبي، في رقم يعكس اتساع نطاق الاعتماد على المقاتلين القادمين من خارج روسيا، وإن كانت طبيعة هذا الرقم ومصادر احتسابه تحتاج إلى وضعها في سياقها باعتبارها تقديرات صادرة عن الجانب الأوكراني.

وقال مسؤول الدفاع الأوكراني الذي يتعامل مع أسرى الحرب إن هؤلاء المقاتلين “ليسوا مجرد إحصائية”، في إشارة إلى اتساع تأثير عمليات التجنيد الأجنبية على مسار الحرب.

وبذلك، لا تبدو عملية استقطاب المقاتلين من أمريكا اللاتينية مجرد ظاهرة مرتبطة بأعداد محدودة من المتطوعين، بل باتت، وفق المعطيات الأوكرانية والتقارير الغربية، جزءًا من مسار أوسع لتعويض النقص البشري في القوات الروسية، في وقت تتجنب فيه موسكو حتى الآن اللجوء إلى تعبئة عامة جديدة على نطاق واسع.

وتشير حالة بيرو خصوصًا إلى أن المعركة لم تعد تدور فقط داخل الأراضي الأوكرانية أو الروسية، وإنما امتدت إلى أسواق العمل والمجتمعات البعيدة عن أوروبا، حيث تتحول الأزمات الاقتصادية والوعود بالوظائف والمكاسب المالية إلى أدوات لاستقطاب مقاتلين جدد إلى واحدة من أكثر الحروب استنزافًا في القارة الأوروبية.

موقع إرم نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *