
مؤشرات كثيرة تؤكد تحول الفساد في أوكرانيا إلى “صراع وجودي” يفرض على الرئيس التفكير جدياً في الانسحاب أمام منافسيه في الانتخابات المرتقبة تشير وسائل الإعلام الأوكرانية إلى أن كرافتشينكو حصل شخصياً على إذن بمغادرة أوكرانيا من زيلينسكي الذي ثمة من يقول إنه “اعتاد التهرب من المسؤولية”، فيما يعود ويطالب باستقالة كرافتشينكو، بعد أن سمح له بنفسه بالفرار، على حد تعبيرها. ومن التفاصيل المهمة الأخرى، هناك أيضاً من يقول إن “أجهزة الاستخبارات الأوكرانية وعلى ما يبدو، تقف وراء كل ما جرى ويجري من أحداث في هذا المضمار”.
“السمكة تفسد من رأسها”، مثل صيني قديم يفرض نفسه على ما نراه اليوم في ما يجري من أحداث بين أروقة السلطة الأوكرانية. وها هو فلاديمير زيلينسكي “يُفاجأ” بسقوط عديد من رجاله ورفاقه ممن بدأ معهم ولايته الدستورية في عام 2020 كـ”خادم للشعب”، وهو اسم المسلسل التلفزيوني الذي ارتقى عبر درجه إلى قمة السلطة، واختاره اسماً لحزبه الحاكم، الذي خاض حملته الانتخابية تحت شعار “مكافحة الفساد”.
لكن بدلاً من التركيز على مكافحة الفساد، تحول رهط الفنانين وأعضاء فرقة “كفارتال95” من أصدقاء زيلينسكي إلى اكتناز الأموال عبر “الرشاوى” واستغلال النفوذ، مما أفضى إلى وقوعهم في قبضة هيئات مكافحة الفساد، وبما وضع أوكرانيا كواحدة من أكبر البلدان الأوروبية فساداً، وتشغل المرتبة 105 من أصل 180 دولة، في تصنيف منظمة الشفافية الدولية.
وجاءت إقالة النائب العام ثم هربه، تأكيداً على أن الأمر تخطي كونه مجرد أزمة إدارية، سرعان ما تحولت إلى ضربة موجعة تنال من شرعية الرئيس زيلينسكي، وتهدد مستقبله بعد أن كشفت استطلاعات الرأي أن 59 في المئة من الأوكرانيين يحملونه مسؤولية تفشي الفساد الذي كانت وعوده بمكافحته في صدر برنامجه الانتخابي. وثمة من يقول إن هروب النائب العام إلى الخارج ليس نهاية الأزمة، بل هو بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، وما هو أقرب إلى “الصراع الوجودي” بين الرئاسة وهيئات مكافحة الفساد التي فشل زيلينسكي في إخضاعها لسلطته.
في سياق حملاته التي داهمت مساكن ومكاتب عديد من أعضاء النسق الأعلى للسلطة، ورفاق الرئيس الأوكراني زيلينسكي، ومنهم رئيس إدارة الرئيس أندريه يرماك، ووزيرا الطاقة والعدل، وعدد آخر من أبرز رجال زيلينسكي على شاكلة تيمور مينديتش رفيقه وشريكه منذ تأسيسهما فرقته المسرحية “كفارتال 95″، الذي هرب إلى بولندا ومنها إلى إسرائيل، توقف “مؤشر” المكتب الوطني لمكافحة الفساد عند روسلان كرافتشينكو النائب العام الأوكراني.
وكشف هذا المكتب المعني بمكافحة الفساد عن عدد من الاتهامات التي أماطت اللثام عما كان وراء القانون رقم 12414 الذي سبق وأصدره زيلينسكي في منتصف عام 2025 حول منح النائب العام صلاحيات واسعة للرقابة والتحكم في الهيئات المستقلة لمكافحة الفساد، وتحديداً “المكتب الوطني لمكافحة الفساد” NABU و”مكتب التحقيقات والنيابة المتخصصة” SAPO، وهو القانون الذي عاد وتراجع عنه زيلينسكي تحت ضغط حركة الجماهير التي خرجت إلى شوارع العاصمة كييف وكبريات المدن الأوكرانية في تظاهرات عارمة، فضلاً عما أثاره القانون من ضغوط وانتقادات حادة من جانب الاتحاد الأوروبي وحلفاء أوكرانيا الغربيين ممن هددوا بوقف وتجميد المساعدات المالية، والحيلولة دون انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وكان زيلينسكي يستهدف بهذا القانون إخضاع هيئات الرقابة الأوكرانية إلى سيطرته الشخصية. على أن ذلك لم يسهم في الحد من شهية الرفاق، ويوقف تزاحمهم للفوز بأكبر قدر من الكعكة الأوكرانية، بل كان سبيلاً إلى التوسع والانتشار داخل مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسة الطاقة. وتطورت الأمور إلى الحد الذي وصلت إليه من صدام مع النائب العام روسلان كرافتشينكو، وبما تردد حول “ما نسجه من شبكات احتيال وابتزاز وغسل أموال، ومراكز اتصال غير قانونية”.
وفي هذا الصدد أكد رئيس النيابة المتخصصة لمكافحة الفساد “SAPO“، أن مستوى الفساد “لم ينخفض”، بل إن الرشوة بين كبار المسؤولين في ازدياد، في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمكافحته. كما سجلت هيئات مكافحة الفساد خلال النصف الأول من العام الجاري 360 قضية جديدة، و107 مشتبه بهم، و76 إدانة، شملت مسؤولين كباراً في قطاعات الطاقة والدفاع.
وكان وزير الدفاع السابق ميخائيل فيدوروف أشار خلال “معاركه” مع زيلينسكي للاحتفاظ بمنصبه، إلى بعض هذه الجرائم. وكانت القضية التي عُرفت باسم “Midas” تتعلق بشبهات فساد وعمولات ضخمة في شركة الطاقة النووية الحكومية Energoatom، وتحدثت المصادر الرسمية عن شبكة رشاوى بمبالغ تصل إلى زهاء 100 مليون دولار، وطال رذاذها وفق مصادر التحقيقات، شخصيات قريبة جداً من زيلينسكي، ومنها تيمور مينديتش الذي لاذ بالفرار إلى بولندا ومنها إلى إسرائيل قبل مداهمة مسكنه الذي عُثِر فيه على عدد من الحقائب الممتلئة بأوراق البنكنوت الغربية، وهو ما أشارت إليه “اندبندنت عربية” في تقرير سابق لها من موسكو.
وأدت هذه القضية التي عُرِفَت باسم “أزمة الطاقة” إلى استقالة وزير الطاقة السابق، وسقوط شخصيات سياسية كبيرة، فيما أشارت استطلاعات الرأي إلى أن 59 في المئة من الأوكرانيين يحمّلون الرئيس زيلينسكي مسؤولية الفساد شخصياً، مما يضعف ثقة الحلفاء الغربيين وينال من مسار الإصلاح. وتزايدت الشكوك في أعقاب القبض على مدير مكتبه أندريه يرماك بتهمة غسل الأموال والتورط في مشروعات عقارية، منها ما يعتقد في نسبه إلى الرئيس زيلينسكي شخصياً.
في تطور مثير، هرب النائب العام الأوكراني روسلان كرافتشينكو إلى بولندا، في خضم صراع نفوذ حاد مع أجهزة مكافحة الفساد. وتتباين المصادر في سردها لتفاصيل عملية “الهرب الكبير” بما يقول بعضها إن كرافتشينكو وزوجته غادرا أوكرانيا بسيارة رسمية، عبر أحد المعابر الحدودية البرية متجهين إلى بولندا، في الساعات الأولى من أمس الإثنين. بينما تقول صحيفة “إزفيستيا” الروسية في هذا الصدد إن زوجته غادرت أوكرانيا قبل ذلك بيومين عبر مولدوفا، وفق تقارير أوكرانية. بينما توجد روايات أخرى عن أن الوجهة المعلنة له كانت ليتوانيا أو باريس. غير أن الأهم في هذا الصدد قد يتمثل في أن خروجه جاء مباشرة في أعقاب استقالته، وما جرى من صدام حاد مع المكتب الوطني لمكافحة الفساد NABU، وبعد اتهام رئيسه سيميون كريفونوس بارتكاب مخالفات، بينما كان مكتب النائب العام نفسه يواجه التحقيقات في قضية فساد.
وتقول مراسلة صحيفة “إزفستيا”، ماريا كوروفينا، التي وصفت عملية “هرب” النائب العام الأوكراني بأنها “مجرد مسرحية سياسية أخرى، ذات دوافع إجرامية خفية”، إن النائب العام وقبيل مغادرته إلى الغرب، قدم “إشعاراً بالاشتباه” ضد مدير المكتب الوطني لمكافحة الفساد، سيميون كريفونوس، متهماً إياه بـ”تزوير وثائق، ثم الفرار من البلاد”. ونقلت الصحيفة عن النائب العام تصريحاته حول أنه “خلال عمليات تفتيش لمقر مكتب النائب العام، تمكن ضباط من المكتب الوطني لمكافحة الفساد وجهاز الأمن العام من الوصول إلى ملفات قضايا محمية قانوناً تخص مديريهم وموظفيهم وأفراداً مرتبطين بهم. وقد نُسخت بعض الوثائق والبيانات الإلكترونية وسُرقت. ويشرف مكتب المدعي العام على عشرات الإجراءات الجنائية، ويحقق في جرائم خطرة، بل وبالغة الخطورة، ارتكبها ضباط من المكتب الوطني لمكافحة الفساد وجهاز الأمن العام”.
وأضافت ماريا كوروفينا أن “ثمة تطوراً غير متوقع في هذه القصة يقلب كل شيء رأساً على عقب. فقد صدرت لائحة الاتهام قبل ساعات فقط من فرار النائب العام الأوكراني إلى الغرب. إنها خطة محكمة وضعها مسؤولون وأوليغاركيون أوكرانيون هاربون: ليلاً، سيارة رسمية، نقطة تفتيش، بولندا، ثم بروكسل. كل هذا تحت ستار رحلة عمل. والآن، بتوجيه من الأوروبيين، ينشر النائب العام تفاصيل جديدة على وسائل التواصل الاجتماعي”.
وتشير وسائل الإعلام الأوكرانية إلى أن كرافتشينكو حصل شخصياً على إذن بمغادرة أوكرانيا من زيلينسكي الذي ثمة من يقول إنه “اعتاد التهرب من المسؤولية”، فيما يعود ويطالب باستقالة كرافتشينكو، بعد أن سمح له بنفسه بالفرار، على حد تعبيرها. ومن التفاصيل المهمة الأخرى، هناك أيضاً من يقول إن “أجهزة الاستخبارات الأوكرانية وعلى ما يبدو، تقف وراء كل ما جرى ويجري من أحداث في هذا المضمار”.
ومن اللافت في هذا الشأن أن المكتب الوطني لمكافحة الفساد NABU وجهاز الأمن SAPO يُصنّفان كل هذه التطورات بوصفها عملية منسقة ضد هيئات مكافحة الفساد، التي وصل زيلينسكي معها إلى طريق مسدود في عام 2025. كما أشار المكتب الوطني لمكافحة الفساد في بيانه الصادر حول هذه القضية إلى أنه “بعد بيان المدعي العام، نُعلمكم أن المكتب الوطني لمكافحة الفساد وجهاز الأمن الأوكراني يعتبران هذه الإجراءات استمراراً لهجوم ممنهج على هيئات مكافحة الفساد المستقلة. وحتى اليوم، لم يتم توجيه أي إشعار رسمي بالاشتباه إلى رئيس المكتب الوطني لمكافحة الفساد، سيميون كريڤونوس”.
على أن كل ما سبق سرده وبقدر ما يفضي إلى كثير من وضوح الصورة، فإنه يشير أيضاً إلى ما يكتنفها من غموض. فاستقالة النائب العام، جاءت لاحقة لتعمد “تهريب” زوجته في الـ12 من سبتمبر (أيلول) أي قبل إصداره لبيانه الذي كشف فيه عن خلافه مع مكتب مكافحة الفساد، مما قد يعني “سبق الإصرار والترصد” في إعداد عملية هربها. وذلك ما قد يكون تفسيراً لما تعمده النائب العام من إرجاء إعلانه عن صدامه مع مكتب مكافحة الفساد الذي استبق به عملية “هربه” بكل ما ارتبط بذلك من أحداث، وفي مقدمها ما أُثير من اتهامات متبادلة بين أجهزة الدولة، فضلاً عما جرى الكشف عنه من قضايا فساد تطال مسؤولين من الدائرة الحاكمة.
ولعل استعراض ما جرى الكشف عنه من قضايا فساد ارتبطت جميعها بشخص الرئيس الأوكراني يمكن أن يكون أكبر كثيراً من محاولات إبراء ذمة الرئيس، فضلاً عن كون قضية “هرب النائب العام” شديدة الحساسية نظراً لموقعه في النسق الأعلى للسلطات الرقابية، وما يتمتع به من صلاحيات بحكم منصبه، وبما يمكن أن يكون أساساً لما يساور كثيرين من تساؤلات حول “كيف يمكن لشبكة فساد أن تعمل داخل جهاز يرأسه النائب العام؟”.
غير أن الأهم والأخطر من كل ذلك يمكن أن يتمثل في دستورية “المكتب الوطني لمكافحة الفساد”، وفشل زيلينسكي في السيطرة على تحركاته بما يرتبط به من صلات وثيقة مع الدوائر الغربية ذات الصلة، وبما صار يمثل لزيلينسكي مشكلة حقيقية.
وكانت صحيفة “فايننشال تايمز” وصفت الجهاز بأنه أصبح قوة مؤثرة جداً في الحياة السياسية الأوكرانية، وذكرت أنه حقق مع أكثر من 60 نائباً وطال شخصيات رفيعة المستوى في دائرة زيلينسكي وأدى إلى استقالات، وإقالات لمسؤولين كبار، فضلاً عن أنه وكلما وصل هذا المكتب إلى الدائرة المحيطة بالرئيس، أصبحت العلاقة مع السلطة أكثر توتراً، بما يشكل لزيلينسكي مشكلة جدلية. فإذا اتخذ موقفاً محايداً أمام “تحقيقات” المكتب مع أي من رجاله، فإن ذلك يمكن أن يفضي إلى كثير من النتائج “المثيرة للجدل”. وإذا حاول الحيلولة دون ذلك بغرض الحماية والحيلولة دون النشر، فإنه سيتهم بالتستر على الفساد وحماية الفاسدين. أما إذا حاول فرض سيطرته واستغلال منصبه فإنه لا بد وأن يخسر ثقة ودعم الاتحاد الأوروبي وما يتمتع به لدى البلدان الغربية من مكاسب مالية ومعنوية. وذلك كله يعني تحول القضية من “الفساد في أوكرانيا”، إلى “الفساد داخل مجموعة زيلينسكي”. وذلك ما قد يفضي عملياً إلى النتيجة التي لا يحمد عقباها.
اندبندنت عربية
