
بلغت الحرب المستعرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة هذا الأسبوع مستوى غير مسبوق من التوتر، محولة منطقة الخليج العربي إلى ساحة لاختبار أعنف السيناريوهات التي كانت حتى وقت قريب مجرد فرضيات.
وأكد تقرير موسع نشرته مجلة “وايرد” الأميركية المتخصصة في التكنولوجيا والأعمال، أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية بعد أن دخلت، هذا الأسبوع، وصلت أكثر مراحلها حساسية، بعدما امتدت الضربات المتبادلة إلى منشآت إنتاج وتصدير النفط والغاز، لتضع أسواق الطاقة العالمية أمام أسوأ سيناريو يمكن تخيله في سوق شديد الاعتماد على ممرات بحرية محدودة ومكشوفة.
نقلت المجلة، عن محللين في أسواق النفط والطاقة، وصفهم ما يجري في الخليج بأنه تطور “متطرف” يكاد يخرج عن حدود النماذج النظرية التي تُدرّس عادة للمبتدئين في هذا القطاع، لأن ما كان يبدو تجربة ذهنية افتراضية صار واقعاً فعلياً يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي في المدى القريب والبعيد.
وتزداد خطورة المشهد لأن الصراع لم يعد محصوراً في تبادل الرسائل العسكرية، بل صار يمس العقدة الأهم في تجارة الطاقة الدولية “مضيق هرمز” هذا الممر الضيق، الذي يمر عبره قرابة 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، ليمثل شرياناً لا يمكن تعويضه بسهولة، فيما تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن بدائل الالتفاف عليه محدودة للغاية.
لذلك فإن أي تعطيل طويل الأمد، ولو جزئي، لا يهدد فقط الإمدادات الفورية، بل يفتح الباب أمام موجة ارتفاعات ممتدة في أسعار النفط والشحن والتأمين، ويزيد احتمالات انتقال الصدمة إلى التضخم العالمي وأسعار الغذاء والصناعة والنقل.
بحسب تقرير “وايرد”، فإن الهجمات الأولى على إيران وما أعقبها من ردود متبادلة دفعت حركة الملاحة في المضيق إلى الانكماش بصورة شبه حادة، بينما استُهدفت لاحقاً بنية الطاقة في المنطقة بضربات أصابت حقل بارس الجنوبي المشترك بين إيران وقطر، وهو أحد أكبر حقول الغاز في العالم.
كما طالت الضربات منشأة تصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، ما أظهر أن الحرب لا تضرب إيران وحدها، بل تُصيب المنظومة الإقليمية المنتجة للطاقة برمتها، خاصة وأن قطر تعد من أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وقد نقلت “رويترز” عن الرئيس التنفيذي لـ”قطر للطاقة” أن الهجوم أثّر في قدرة إنتاجية تمتد سنوات، وأن الشركة قد تضطر إلى إعلان “القوة القاهرة” في بعض العقود.
هذا النوع من الضربات دفع “وكالة الطاقة الدولية” إلى التحذير من أن المستهلكين في الدول الغنية لن يبقوا بمنأى عن التكلفة، حتى لو لم يظهر نقص مباشر في الوقود في الولايات المتحدة أو أوروبا، فمع ارتفاع أسعار الخام، تنتقل الكلفة سريعاً إلى أسعار البنزين والنقل بالشاحنات، ثم إلى سلاسل التوزيع والأغذية والسلع الاستهلاكية.
وفي هذا السياق، أوصت الوكالة، كما نقلت “وايرد”، بتقليل الاستهلاك على المستوى الفردي حيثما أمكن، عبر العمل من المنزل والقيادة ببطء والاستخدام الرشيد للغاز، في إشارة رمزية إلى أن الأزمة خرجت من نطاق الجغرافيا السياسية إلى الحياة اليومية للمستهلكين. في موازاة ذلك، قالت الوكالة أيضًا إن النزاع القائم يمثل واحداً من أكبر التهديدات لإمدادات الطاقة العالمية في تاريخها، فيما بدأت بعض الحكومات بالفعل بالسحب من المخزونات الطارئة لتهدئة السوق.
ولا يقف الأثر عند النفط والغاز، فيشير التقرير إلى أن الاضطراب تمدد إلى قطاعات ترتبط بالطاقة بشكل غير مباشر، من البتروكيماويات إلى الأسمدة والمواد الخام التي تدخل في صناعة أشباه الموصلات، كما أنه مع دخول موسم الزراعة الربيعي في الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار أنواع من الأسمدة بفعل اختناق الإمدادات عبر الخليج، فيما بدأت شركات طيران في رفع الأسعار وتقليص بعض الرحلات مع صعود كلفة الوقود.
ويجعل هذا الحرب في جوهرها، حرباً على شبكة الإنتاج العالمي بأكملها، لا على مصادر الطاقة فقط، إذ يكفي أن ترتفع كلفة نقل الوقود أو تتأخر شحنات المواد الأولية حتى تبدأ انعكاسات الأزمة بالظهور في السلع على رفوف المتاجر وفي حسابات الشركات والمزارعين والمصانع.
تزداد الصورة غموضاً بسبب الإشارات المتناقضة الصادرة عن البيت الأبيض، وفق ما نقلته “وايرد” عن محللين في سوق النفط، إذ لا تزال إدارة ترامب تتأرجح بين التهديد بمزيد من التصعيد وبين اتخاذ تدابير طارئة لتخفيف الضرر على المستهلك الأميركي، من بينها دراسة رفع بعض القيود المرتبطة بالصادرات النفطية أو تخفيف إجراءات الشحن.
بحسب التقرير فإن هذه الإجراءات، على أهميتها، لا تبدد القلق الأساسي، حيث لا توجد حتى الآن رؤية واضحة لنهاية الحرب أو لهدفها السياسي النهائي، ولذلك يبدو أن الأسواق تتعامل مع أزمة لا تعرف إن كانت ستنتهي بتسوية أو بانفجار أوسع، بينما تبقى الطاقة، للمرة الأولى منذ سنوات، أداة ضغط عسكري ومالي في الوقت نفسه، لا مجرد سلعة تُسعَّر في البورصات.
يبدو أن التصعيدات الأخيرة ليست مجرد اضطراب عابر في سوق النفط، بل بداية مرحلة قد تُعيد تعريف العلاقة بين الحرب والطاقة والتجارة العالمية، فإذا طال أمد القصف واستمر استهداف منشآت الإنتاج والتصدير والممرات البحرية، فإن العالم قد يواجه صدمة لا تقل خطورة عن أشد الأزمات النفطية في العقود الماضية، لكن في بيئة أكثر هشاشة وتشابكاً، حيث لا يعود ارتفاع السعر هو الخطر الوحيد، بل احتمال دخول الاقتصاد العالمي كله في دوامة تباطؤ حاد وتضخم مزمن وتراجع في الثقة لا يُعالج بسرعة.
