
استهداف “دييغو غارسيا” يثير ترقباً غربياً بعد أن أظهرت طهران إمكان وصولها إلى عمق أكبر داخل المحيط الهندي وحتى جنوب أوروبا إذا تأكد استخدام صواريخ بعيدة المدى في استهداف القاعدة الأميركية- البريطانية في تشاغوس، فسيشكل ذلك أول دليل عملي على قدرة إيران على ضرب أهداف خارج الشرق الأوسط، مع ما يحمله من تداعيات على الدفاع في أوروبا والمحيط الهندي، ويعزز ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل اندلاع الحرب، بأن طهران تطور صواريخ تهدد أوروبا وقد تصل قريباً إلى الولايات المتحدة.
أثار إطلاق إيران صاروخين باليستيين باتجاه القاعدة العسكرية الأميركية- البريطانية المشتركة في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، الجدل والحذر حول امتلاك طهران صواريخ ذات مدى أطول مما كان يعتقد سابقاً، إذ أظهرت العملية قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إلى مسافات مماثلة لما يفصلها عن الأوروبيين.
وتقع دييغو غارسيا على بعد نحو 4000 كيلومتر من إيران، في حين تؤكد طهران علناً أن مدى صواريخها الباليستية محدود عند 2000 كيلومتر. وعلى رغم فشل الصاروخين في إصابة الهدف، فإن مجرد محاولة الإطلاق نفسها تغير خريطة الأخطار، إذ يقول مراقبون إنه إذا كانت إيران حاولت بالفعل تنفيذ ضربة على مسافة تعادل ضعف هذا الحد المعلن، فهذا يعني أنها تمتلك قدرات غير معلنة لا يعرفها العالم، كما تُعد رسالة إلى أوروبا.
وذكرت وكالة ” رويترز” أن البيت الأبيض والسفارة البريطانية لدى واشنطن ووزارة الدفاع البريطانية لم يردوا على طلبات التعليق، فيما أفادت وكالة “مهر” الإيرانية بأن طهران أطلقت صاروخين باليستيين نحو القاعدة، ووصفت ذلك بأنه “خطوة مهمة” تظهر أن مدى الصواريخ الإيرانية يتجاوز ما كان يعتقد سابقاً.
وأشار المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والمبعوث السابق إلى الشرق الأوسط بريت ماكغورك، ضمن منشور على حسابه بموقع “إكس” إلى تضليل إيران للعالم في شأن امتلاكها صواريخ متوسطة وبعيدة المدى.
وكتب الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل في إدارات جورج بوش وباراك أوباما وجو بايدن أن “الأمر يتحدث عن نفسه”، ثم أدرج تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي “25 فبراير (شباط) 2026: نحن لا نطور صواريخ بعيدة المدى… لقد حددنا مداها إلى أقل من 2000 كيلومتر”، “20 مارس (آذار) 2026: إيران تطلق صواريخ على دييغو غارسيا على بعد 4000 كيلومتر”، مشيراً إلى تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال”. وأرفق خريطة تظهر المسافة بين مكان إطلاق الصواريخ في إيران وقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهادئ.
وقبيل أيام من اندلاع الحرب في الـ28 من فبراير الماضي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران تسعى إلى تطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وأضاف خلال خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس، “لقد طوروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستكون قادرة قريباً على الوصول إلى الولايات المتحدة”.
ووفق دائرة أبحاث الكونغرس الأميركي، تمتلك طهران حالياً صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة يصل مداها إلى نحو 3 آلاف كيلومتر، فيما تقع الولايات المتحدة على بعد أكثر من 9 آلاف كيلومتر من الطرف الغربي لإيران.
وقد تكون إيران تختبر أنظمة أقرب إلى صواريخ باليستية متوسطة المدى حقيقية، مع إمكان الوصول إلى عمق أكبر داخل المحيط الهندي وحتى جنوب أوروبا. ويرجح مراقبون أن يساعد ذلك في اكتساب طهران نفوذاً من خلال إبقاء خصومها غير متأكدين من نطاق ضرباتها الفعلي، إذ إن هذا الغموض يعقّد تخطيط واشنطن ولندن، فيما أن أي تمديد مُتصوَّر في مدى الصواريخ الباليستية سيزيد الضغط على دول المنطقة وإسرائيل لإعادة تقييم طبقات الدفاع الصاروخي لديها، فضلاً عن أن استهداف دييغو غارسيا يمثل تصعيداً استراتيجياً يوسع ساحة العمليات للصراع إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.
ووقعت الضربة الفاشلة في اليوم الـ22 للمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مما يعزز الرأي لدى مخططي الدفاع بأن طهران مستعدة لتوسيع نطاق صواريخها لتهديد قواعد استراتيجية في العمق الخلفي، بدلاً من حصر الهجمات في أهداف إقليمية داخل الخليج العربي.
وذكر موقع “ديفانس سيكيورتي”، المتخصص في الشؤون الدفاعية، أن بُعد دييغو غارسيا الذي يراوح ما بين نحو 3800 و4000 كيلومتر من إيران يجعل عملية الإطلاق ذات دلالة عملياتية مهمة، إذ يشير ذلك إما إلى استخدام رأس حربي أخف يُقدَّر بنحو 300 إلى 500 كيلوغرام، أو إلى نشر نسخة ذات مدى ممدد لم يكشف عنها سابقاً، وكلا الاحتمالين يدل على استعراض متعمد للقدرة على الوصول، وليس مجرد محاولة لضربة تقليدية.
ويتيح نظام الدفع بالوقود السائل في منظومة “خورمشهر” مرونة في الحمولة والمسار، مما يجعله مناسباً لعمليات الإطلاق التجريبية بعيدة المدى التي تهدف إلى اختبار حدود الأداء في ظروف قتالية حقيقية بدلاً من بيئات اختبار محكمة. وفي حال تأكد هذا الإطلاق بعيد المدى، فسيمثل أول مؤشر عملي على قدرة إيران على ضرب أهداف تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وهو تطور ستكون له تداعيات على خطط الدفاع في أوروبا والمحيط الهندي.
وفي حين يعتقد بأن إيران تمتلك صواريخ باليستية متوسطة المدى يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، لكن يرجح بعض المحللين العسكريين أن صاروخ “خورمشهر” قد يكون ذا مدى أطول. وأشارت “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) إلى أن مركز “ألما” للأبحاث والتعليم الإسرائيلي، يدرج صاروخ “خورمشهر” الإيراني على أن مداه يصل إلى 3000 كيلومتر، ويعتقد بأنه طُوّر استناداً إلى صاروخ كوري شمالي متوسط المدى.
ووفق ما أفادت به الصحافة الأميركية نقلاً عن مسؤولين من إدارة ترمب، فقد أُطلقت الصواريخ نحو القاعدة الواقعة في أرخبيل تشاغوس، وهي مركز لوجستي حيوي يدعم نشر القاذفات بعيدة المدى وعمليات الغواصات النووية والقوات البحرية المزودة بصواريخ موجهة، مما يجعل محاولة الاستهداف بمثابة رسالة موجهة إلى تموضع القوات الحليفة أكثر من كونها هدفاً تكتيكياً في ساحة المعركة.
وأشار المسؤولون إلى أن أحد الصواريخ تفكك أثناء الطيران، بينما أطلقت مدمرة تابعة للبحرية الأميركية مزودة بصواريخ موجهة صاروخاً اعتراضياً من طراز “SM-3” نحو المقذوف الثاني، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان قد تم اعتراض الصاروخ بنجاح أو أنه فشل من تلقاء نفسه، مما يترك حالاً من عدم اليقين حول فاعلية تغطية الدفاع الصاروخي الباليستي الحالية في مسرح المحيط الهندي.
ومع ذلك، لا تزال هناك شكوك حول امتلاك إيران صواريخ قادرة على الوصول إلى دييغو غارسيا في المحيط الهندي، فتقول “بي بي سي” إنه لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على أن إيران تمتلك صواريخ قادرة على الوصول إلى مسافة دييغو غارسيا. كما أن إطلاق صاروخين إيرانيين غير محددي النوع باتجاه القاعدة العسكرية في المحيط الهندي لا يعني بالضرورة أنهما كانا سيصلان إلى هدفهما.
وكانت قدرات إيران على إنتاج الصواريخ بعيدة المدى استُهدفت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل العام الماضي، إضافة إلى برنامجها النووي. ومعظم ما بقي من مخزون الصواريخ الإيرانية هو من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وهي الأنواع التي أطلقتها طهران خلال الأسابيع الأخيرة باتجاه إسرائيل ودول الخليج المجاورة.
وأدت الغارات الأميركية والإسرائيلية إلى تقليص قدرات إيران على إطلاق الصواريخ بصورة كبيرة. ووفقاً لأرقام ذكرها أخيراً ترمب، فإن طهران لم تحتفظ سوى بنسبة ثمانية في المئة من قدراتها الأصلية. ويُقدر بأنه قبل اندلاع الحرب، كانت إيران تمتلك ما لا يقل عن 1000 إلى 1500 صاروخ، ومن بينها صاروخ “سومار” الذي يقل مداه عن 3000 كيلومتر. أما صواريخ “سجيل”، فيمكنها ضرب أهداف على مسافة تصل إلى 2000 كيلومتر.
وعلى رغم تراجع هذه القدرات، يشير متخصصون إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرتها على إطلاق طائرات مسيّرة انتحارية وصواريخ، على الأرجح بالاعتماد على منصات إطلاق متنقلة يصعب على القوات الأميركية والإسرائيلية اكتشافها واستهدافها، بخاصة ضمن المناطق المتفرقة في الجزء الشرقي من البلاد.
