لماذا تصر إيران على استهداف المنشآت المدنية الإماراتية؟

إصرار إيران على استهداف المنشآت الحيوية في الإمارات لم يعد سرًا تتخفّى خلفه الدعاية الإيرانية ولا أبواق العرب الإيرانيين، ففي مساء الأربعاء 11 آذار/ مارس تم استهداف مطارات دبي بمسيّرات إيرانية، وقبلها تم استهداف مصفاة البترول، وقبلها تم تدمير محطات التحلية التي تمدّ الإماراتيين بمياه الشرب، وهي سياسة التعطيش، فالماء سر الوجود، كل هذا بغرض تفجير الأزمات داخل دول الخليج.

لا يمكن أن يكون هذا الاستهداف للدول العربية ضمن معركة إيران ضد إسرائيل، بل هي معركة موازية تقودها طهران ضد محيطها العربي، تحت لافتة الحرب مع إسرائيل وأمريكا، لتضمن الصمت العربي الذي لن يُفسَّر على أنّه دفاع عن النفس، بل سيُفسَّر على أنّه شراكة مع إسرائيل.

هذه الحيلة اللّاأخلاقية قابلتها الإمارات ودول الخليج بالحكمة والصبر، لكنّ طهران في عهد حكومات الملالي تصرّ على سياستها التفجيرية التخريبية لدول الخليج، وإلا فبماذا نفسّر أنّه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات بينها وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل، تزجّ إيران إلى الواجهة جماعاتٍ مسلحةً تعمل بالوكالة عنها لتهديد دول المنطقة؟ ثم ترفع تلك الجماعات شعارات ثورية عاطفية جوفاء مثل “مواجهة إسرائيل” و”معركة الإسلام ضد اليهود”، بينما هي في الواقع توجّه سلاحها نحو الدول العربية والمنشآت المدنية؟.

كيف يمكن تفسير التهديد الذي أطلقته جماعة ما يُسمّى “ألوية الوعد الحق في الجزيرة العربية” باستهداف منشأة براكة النووية في أبوظبي؟ وإذا كانت المعركة مع إسرائيل، فعلى كل من يدافع عن ضرب إيران للدول العربية أن يجيب: لماذا تتحول المدن والمنشآت العربية والشعوب العربية إلى أهداف مباشرة للضربات الإيرانية، لماذا لا تصبّ جام غضبها كله على إسرائيل، هذا إذا كانت تريد هزيمة إسرائيل فعلاً؟.

كيف يمكن تفسير بيان منظمة ألوية الحق التابعة لطهران الصادر فجر يوم الأربعاء الماضي 11 آذار/ مارس، هذه الجماعة أعلنت  نيتها استهداف منشأة براكة النووية في أبوظبي، قائلة إنّ ذلك يأتي “تأديةً لواجبها في معركة الإسلام ضد اليهود وأذنابهم”؟ هذا التهديد لا يستهدف قاعدة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية  أو موقعًا قتالياً، بل منشأة للطاقة النووية السلمية تُعدّ من أهم المشاريع التنموية في المنطقة العربية.

استهداف منشأة من هذا النوع لا يمثل فقط عملاً عدائياً ضد دولة عربية، بل يشكل تهديدًا كارثيًا للأمن البيئي والإنساني في المنطقة بأكملها، إذ إنّ أيّ هجوم على منشأة نووية قد يؤدي إلى عواقب خطيرة تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.

إنّ “ألوية الوعد الحق في الجزيرة العربية” ليس تنظيماً تقليدياً معروف البنية أو القيادة، بل هي منظمة سرّية إرهابية تخريبية، وكل الشواهد تؤكد على ارتباطها بإيران لتنفيذ سياساتها في استهداف دول الجوار أو تقوم بعمليات عابرة للحدود لصالح حكومة الملالي بطهران.

فقد ظهر اسم هذه الجماعة لأول مرة في 23 كانون الثاني/يناير 2021 عندما تبنت هجوماً بطائرة مسيّرة استهدف قصر اليمامة في الرياض، وبعض المنشآت في أبو ظبي، ومنذ ذلك الحين تظهر بياناتها عادة في لحظات التصعيد الإقليمي أو عندما تتعرض جماعة الحوثي أو إيران لضغوط عسكرية.

ويشير العديد من التحليلات إلى أنّ هذا الكيان يستخدم كغطاء أو “قناع” للحوثيين المدعومين من إيران، بينما يرى بعض المحللين السياسيين أنّ ثمة علاقة تنظيمية تربطها بفصائل عراقية موالية لطهران.

ومن المعلوم أنّ إيران تستخدم منذ سنوات استراتيجية تقوم على الحرب بالوكالة، عبر شبكة من الجماعات المسلحة المنتشرة في عدة دول، هذه الشبكة لا تعمل بالضرورة تحت اسم واحد، بل تظهر بأسماء مختلفة وفق الساحة الجغرافية والظروف السياسية، وضمن هذه المنظومة: الحوثيون في اليمن، وفصائل الحشد الشعبي المسلحة في العراق، وحزب الله في لبنان، ومؤخرًا ألوية الحق.

ورغم غموضها إلا أنّه من الواضح أنّ “ألوية الوعد الحق” تمثل إحدى الأدوات التي تسمح بتنفيذ عمليات أو إطلاق تهديدات دون تحميل طهران المسؤولية المباشرة كاستهداف الملاحة التجارية والمنشآت الاقتصادية ومخازن النفط  في البحر الأحمر.

ونشر الحوثيون مقاطع مصورة لهجمات سابقة على سفن تجارية، وأعلنوا أنّ سلسلة هجماتهم استهدفت أكثر من 200 سفينة منذ بدء التصعيد في البحر الأحمر، مع رسالة واضحة مفادها أنّ “القادم أعظم”، هذه الهجمات لا تضرب أهدافاً عسكرية بقدر ما تضرب التجارة العالمية والملاحة الدولية، وهو ما يجعلها تهديداً للأمن الاقتصادي الإقليمي والدولي.

المفارقة اللافتة في ادعاءات هذه الجماعات أنّها تبرر عملياتها بشعار مواجهة إسرائيل، بينما تتجه معظم هجماتها أو تهديداتها نحو دول عربية أو منشآت مدنية واقتصادية في المنطقة، ممّا يضع دول المنطقة واقتصادها في دائرة الخطر، هذا التناقض يؤكد أنّ شعارات المقاومة تُستخدم  كغطاء لممارسات إيران وتهديدها المنطقة العربية.

نعم، الإمارات أكثر دولة أطلقت عليها إيران صواريخها ومسيّراتها وقنابلها، وأكثر دولة تضررت من عدائية إيران لجيرانها العرب، فقد أطلقت إيران صواريخ ومتفجرات على الإمارات أكثر ممّا أطلقت على إسرائيل، فلماذا كل هذا العداء للإمارات ودول الخليج؟

 لأنّه بكل بساطة الإمارات تعمل خلال السنوات الأخيرة على مشروع سلام وتنمية بالمنطقة، هنا اعتبرت إيران أنّ هذا المشروع التنموي يمثل مشروعاً معادياً لها ولمشروعها التوسعي، فرأت في الإمارات النموذج الأنجح منها في استثمار عائداتها النفطية، وقدرتها على التأثير الإيجابي في المنطقة ونشر السلام والمحبة بين شعوبها، وهو ما اعتبرته حكومة الملالي تهديدًا لاستراتيجيتها القائمة على تصدير الثورة، والتي تستوجب استحضار الغضب والصراع والفوضى وتسليح الشعوب تحت شعار ثورة دينية.

فتأتي إيران بأذرعها المسلحة لفرض إرادتها على الجميع، لهذا تسعى إيران إلى ضرب الاستقرار الاقتصادي والنموذج التنموي الذي تمثله الإمارات في المنطقة.

الأخطر هو التهديد الذي أطلقته “ألوية الوعد الحق” ضد منشأة براكة النووية، والذي لا يمكن قراءته كفعل مقاوم لأمريكا وإسرائيل تحت أيّ مبرر، بل هو تحطيم لنموذج ناجح لاستخدام المنشآت النووية للأغراض السلمية؛ ولهذا جاء التهديد باستهدافها. 

والغريب أنّ هذه الجماعة لم تهدد حتى بمجرد التهديد باستهداف منشآت نووية إسرائيلية، ممّا يؤكد أنّ القضية ليست الصراع الإيراني الإسرائيلي، بل ما تريده إيران من صراع المشروع الفارسي أمام المشروع العربي، هذه المشكلة الكبرى التي تعاني منها إيران وحكومة الملالي، وهي وجود مشروع  تنموي للمنطقة بعيداً عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *