
حظي فيلم «Hamnet» باهتمام واسع في موسم الجوائز السينمائية لعام 2026، خاصة بعد فوز بطلته جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة خلال حفل الأوسكار. وجاء هذا الفوز تتويجا لمسار طويل من التقدير النقدي الذي رافق الفيلم منذ عرضه الأول.
و تعامل النقاد مع العمل بوصفه تجربة سينمائية تعتمد على الحس الإنساني العميق أكثر من اعتمادها على البناء الدرامي التقليدي. واستند الفيلم إلى الرواية التي تحمل الاسم نفسه للكاتبة Maggie O’Farrell، بينما تولت إخراجه المخرجة Chloé Zhao، التي قدمت رؤية بصرية تقوم على الهدوء والاقتصاد في التعبير.
ينطلق الفيلم من قصة تاريخية ترتبط بعائلة الكاتب المسرحي الإنجليزي William Shakespeare، وتحديدا بابنه «هامنت» الذي توفي في طفولته في أواخر القرن السادس عشر. غير أن العمل لا يقدم سيرة تقليدية عن شكسبير، بل يركز على شخصية زوجته أغنيس، التي تظهر في الفيلم بوصفها المحور الرئيسي للأحداث. ويمنح هذا الاختيار السردي مساحة أكبر لعرض التجربة الإنسانية المرتبطة بالفقد والعلاقات العائلية.
احتل أداء جيسي باكلي مركزا أساسيا في التقييمات النقدية التي تناولت الفيلم. فقد اعتمدت الممثلة في تجسيد شخصية أغنيس على أسلوب هادئ يركز على التعبير الجسدي والإيماءات الصغيرة بدلا من الاعتماد على الحوار المطول. وتشير دراسات نقدية نشرتها مجلات سينمائية إلى أن باكلي تمكنت من تقديم شخصية تمر بتحولات نفسية معقدة، لكنها عبّرت عنها من خلال تفاصيل دقيقة مثل نظرات العين وحركة الجسد وطريقة الوقوف.
ويرى عدد من النقاد أن هذا الأسلوب منح الشخصية صدقا كبيرا، إذ بدت المشاعر التي تمر بها طبيعية وغير مصطنعة. وفي كثير من المشاهد يعتمد الأداء على الصمت، حيث يظهر الحزن عبر الإيماءات وتعبيرات الوجه بدلا من الانفعال المباشر. وقد اعتبر النقاد أن هذه القدرة على التعبير الصامت تمثل أحد أبرز عناصر قوة الأداء.
اعتمدت المخرجة كلوي تشاو في بناء الفيلم على أسلوب بصري يقوم على الإيقاع البطيء واللقطات الطويلة. وقد أشار نقاد السينما إلى أن هذا الاختيار الإخراجي يمنح المشاهد وقتا للتأمل في المشاعر الداخلية للشخصيات. وبدلا من تسريع الأحداث، اختارت المخرجة إيقاعا يسمح بتتبع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات.
وتظهر هذه الرؤية أيضا في استخدام الكاميرا، التي تركز في كثير من الأحيان على الوجوه أو التفاصيل الصغيرة داخل المكان. ويؤدي هذا الأسلوب إلى خلق علاقة حميمة بين المشاهد والشخصيات، حيث تبدو الأحداث وكأنها تتكشف في فضاء قريب من الواقع اليومي.
من الجوانب التي تناولتها الدراسات النقدية كذلك الطريقة التي استخدم بها الفيلم الطبيعة الريفية في إنجلترا كجزء من البناء الدرامي. فالمناظر الطبيعية لا تظهر مجرد خلفية جمالية، بل تشارك في خلق الحالة الشعورية للفيلم. وقد استخدمت الكاميرا الحقول والغابات والضوء الطبيعي لتأكيد العلاقة بين الشخصيات والبيئة المحيطة بها.
كما يعتمد الفيلم في بعض مقاطعه على بنية سردية غير خطية، حيث ينتقل بين فترات زمنية مختلفة من حياة الشخصيات. ويسهم هذا التداخل الزمني في إظهار دور الذاكرة في تشكيل التجربة الإنسانية، إذ تظهر بعض المشاهد وكأنها استدعاء للحظات سابقة تستمر في التأثير على الحاضر. وقد رأى نقاد أن هذا الأسلوب يمنح الفيلم طابعا تأمليا، حيث يصبح الزمن جزءا من التجربة السردية وليس مجرد إطار للأحداث.
وعلى مستوى السيناريو، يحافظ الفيلم على روح الرواية الأصلية التي كتبتها ماغي أوفاريل، لكنه يقدم معالجة سينمائية تعتمد على الصورة والصوت بدلا من السرد الداخلي للشخصيات. ويشير نقاد إلى أن هذا التحول يمثل أحد التحديات الأساسية عند تحويل الأعمال الأدبية إلى أفلام، غير أن «Hamnet» تمكن من تحقيق توازن بين النص الأدبي واللغة السينمائية.
كما جاءت الموسيقى التصويرية بسيطة وغير صاخبة، وهو ما يتماشى مع طبيعة الفيلم الهادئة. فقد استخدمت الموسيقى لتعزيز الحالة الشعورية للمشاهد دون أن تفرض تفسيرا محددا للأحداث.
وعند إعلان فوز جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة في حفل الأوسكار، اعتبر كثير من النقاد أن الجائزة جاءت منسجمة مع التقدير الذي حظي به الأداء منذ عرض الفيلم. فقد وصف بعضهم الدور بأنه يتطلب قدرة كبيرة على التعبير عن مشاعر معقدة دون الاعتماد على الانفعال الظاهر.
ورغم الإشادة الواسعة التي حصل عليها الفيلم، أشار بعض النقاد إلى أن الإيقاع البطيء قد يمثل تحديا لبعض المشاهدين الذين يفضلون السرد السريع. كما رأى آخرون أن التركيز الكبير على الحالة الشعورية جاء أحيانا على حساب تطور الأحداث.
ومع ذلك، لم تؤثر هذه الملاحظات في المكانة التي حصل عليها الفيلم داخل النقاشات النقدية. فقد اعتبر كثير من النقاد أن «Hamnet» يقدم تجربة مختلفة عن الأعمال التي تتناول شخصيات تاريخية، إذ يركز على الجانب الإنساني والعائلي بدلا من تقديم سيرة تقليدية.
ومن خلال هذا التوجه، يقدم الفيلم قراءة سينمائية للتاريخ عبر قصة عائلية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادا نفسية وإنسانية متعددة. وقد أسهم أداء جيسي باكلي في تعزيز هذه الرؤية، إذ قدمت شخصية أغنيس بطريقة تجمع بين البساطة والعمق.
في سياق الحضور اللافت للفيلم خلال موسم الجوائز، برز فيلم Hamnet بوصفه أحد الأعمال الأكثر حضورا في سباق الجوائز السينمائية لعام 2026، بعدما حصل على ثمانية ترشيحات دفعة واحدة في عدد من الفئات الرئيسية.
هذا الحضور لم يقتصر على البعد الفني المرتبط بالعمل نفسه، بل امتد إلى جانب الإنتاج والاستثمار في صناعة السينما العالمية، حيث جاء الفيلم بدعم من شركة RedBird IMI، التابعة لمجموعة IMI الإعلامية في دولة الإمارات. ويعكس هذا التعاون اتساع دور الاستثمارات الإعلامية الإماراتية في إنتاج المحتوى السينمائي العالمي، والمشاركة في مشاريع فنية تنافس ضمن أهم منصات الجوائز الدولية.
